في تطور جديد يعكس تصاعد المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة، قُتل خمسة إسرائيليين وأُصيب 12 آخرون بينهم سبعة بجراح وصفت بالخطيرة، إثر عملية إطلاق نار نفذها فلسطينيان عند مفرق “راموت” بمدينة القدس المحتلة، الاثنين، قبل أن يُستشهد المنفذان برصاص قوات الاحتلال وعناصر أمن كانوا متواجدين في الموقع.

الحادثة التي وقعت في وضح النهار كشفت من جديد هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وأكدت استمرار العمليات الفدائية كخيار للشباب الفلسطيني في مواجهة سياسات الاستيطان والتهويد.

تفاصيل العملية وسقوط الضحايا

بحسب ما أوردته وسائل الإعلام العبرية، فإن منفذي العملية وصلا بسيارة خاصة إلى محطة الحافلات عند مفرق “راموت”، أحد المداخل الرئيسية لشمال القدس المحتلة. وما أن ترجلا حتى شرعا في إطلاق النار بشكل مكثف تجاه تجمع للركاب داخل حافلة وفي محيطها، مما أدى إلى سقوط قتلى وإصابات مباشرة.

هيئة الإسعاف الإسرائيلية أعلنت أنها تعاملت مع 15 إصابة على الأقل، بينها خمس إصابات حرجة وثلاث خطيرة، بينما وُصفت باقي الإصابات بالطفيفة. وقد عمّت حالة من الهلع المكان، فيما هرعت سيارات الإسعاف وقوات كبيرة من الشرطة والجيش لتطويق المنطقة.

اللافت أن بعض الشهادات الإسرائيلية تحدثت عن أن المنفذين كانا مدججين بالسلاح واستغلا عنصر المفاجأة في موقع يُفترض أنه محصن أمنيًا. وبعد دقائق، أطلق عنصر أمن ومسلح مدني النار عليهما، ما أدى إلى “تحييدهما” وفق التعبير الإسرائيلي، أي استشهادهما في المكان.

https://twitter.com/i/status/1964962407236907312

صدمة إسرائيلية وتخوف من “سلسلة عمليات”

العملية مثلت صدمة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي كثفت في الأشهر الأخيرة من نشر الحواجز وتسيير الدوريات في محيط القدس، خصوصًا بعد تكرار عمليات الطعن وإطلاق النار منذ بداية العام.

التقديرات الأولية في الإعلام العبري رجحت أن المنفذين قدما من مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول قدرة الفلسطينيين على اختراق الإجراءات الأمنية والوصول إلى قلب القدس لتنفيذ هجوم بهذا الحجم.

كما نقلت صحف إسرائيلية عن مسؤولين أمنيين خشيتهم من أن تكون العملية جزءًا من “موجة عمليات منظمة” مرتبطة بالتصعيد في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يتواصل العدوان العسكري الإسرائيلي منذ نحو عامين.

دلالات ورسائل فلسطينية

بالنسبة للفلسطينيين، تأتي العملية كرسالة واضحة بأن سياسة القمع والقتل لن تُوقف اندفاع الشباب نحو العمل الفدائي. فهي تذكير بأن القدس ليست مدينة “آمنة” للمستوطنين، وأن الوجود الاستيطاني فيها سيبقى مهددًا طالما استمر الاحتلال.

المحللون يرون أن اختيار محطة حافلات مكتظة بالركاب يعكس رمزية خاصة، فهي نقاط تجمع يستخدمها المستوطنون يوميًا، ما يجعلها أهدافًا حساسة قادرة على إحداث صدى واسع داخل المجتمع الإسرائيلي.

كما أن العملية تحمل بعدًا سياسيًا في توقيتها، إذ تتزامن مع تعثر المساعي الأمريكية لفرض تهدئة في غزة ومع تصاعد الغضب الشعبي الفلسطيني من استمرار المجازر. وبذلك فهي بمثابة رسالة مزدوجة: رفض الاحتلال في القدس واستمرار التضامن العملي مع غزة.

فشل أمني إسرائيلي متكرر

هذه العملية ليست الأولى من نوعها في القدس، فقد شهدت المدينة في السنوات الأخيرة عمليات إطلاق نار وطعن متكررة في محيط المستوطنات وأحياء فلسطينية، كان آخرها قبل أشهر في حي “الشيخ جراح”.

رغم محاولات الاحتلال تصوير نفسه كقوة لا تُقهر، إلا أن تكرار مثل هذه العمليات يُظهر ثغرات أمنية يصعب سدها، خصوصًا في مدينة ذات طبيعة ديمغرافية متشابكة كالقدس. فوجود مئات آلاف الفلسطينيين فيها يجعل السيطرة المطلقة أمرًا مستحيلاً، مهما تعددت الكاميرات والحواجز.

كما أن طبيعة العمليات الفردية أو الثنائية، التي تعتمد على عنصر المفاجأة وبساطة الأدوات، تجعل من الصعب التنبؤ بها أو إحباطها مسبقًا. وهذا يضع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمام مأزق استراتيجي حقيقي.

انعكاسات محتملة على المشهد الميداني

من المرجح أن تدفع هذه العملية حكومة الاحتلال نحو مزيد من الإجراءات العقابية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، مثل اقتحام القرى وشن حملات اعتقالات واسعة، إضافة إلى هدم منازل عائلات المنفذين.

غير أن هذه السياسات أثبتت تاريخيًا أنها لا تؤدي سوى إلى زيادة الاحتقان وتعزيز ثقافة المقاومة، إذ يرى الفلسطينيون أن كلفة الصمت والقبول بالاحتلال أعلى بكثير من كلفة المواجهة.

من جهة أخرى، من المتوقع أن تُستغل العملية من قبل اليمين الإسرائيلي لتبرير استمرار الحرب في غزة وتوسيع الاستيطان، بذريعة “تعزيز الأمن”. لكن في المقابل، قد تزيد من الضغط الشعبي على الحكومة التي فشلت في منع تسلل الهجمات حتى إلى قلب القدس.

خلاصة

عملية “راموت” تمثل ضربة قاسية للمنظومة الأمنية الإسرائيلية ورسالة فلسطينية متجددة بأن المقاومة لا تزال حية رغم القمع والحصار. سقوط خمسة قتلى و12 جريحًا في قلب القدس المحتلة يعكس هشاشة مشروع الاستيطان ويؤكد أن العمليات الفدائية ستظل إحدى أدوات الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال ومحاولة طرد المستوطنين من أرضهم.

في النهاية، ما جرى في القدس ليس حادثًا معزولًا، بل جزء من سياق أشمل من الصراع، حيث يواصل أصحاب الأرض تذكير العالم أن الاحتلال لا يمكن أن يكون قدرًا أبديًا، وأن كل محاولة لفرض الاستيطان بالقوة ستقابل برد فعل مقاوم، مهما حاولت إسرائيل تضييق الخناق أو تغيير الحقائق على الأرض.

اقرأ أيضًا : شرطة جامعة أريزونا في مرمى القضاء بعد انتهاك ديني ضد متظاهرات مسلمات