في تحدٍ صارخ لسلطة القضاء وتجاهل لموجات التظاهرات، أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن رئيس جهاز الأمن العام “الشاباك”، رونين بار، لن يستمر في منصبه، على الرغم من قرار المحكمة العليا تجميد الإقالة مؤقتًا لحين النظر في التماسات متعددة قُدمت ضد القرار.
هذه الخطوة كشفت عن تصعيد جديد بين السلطة التنفيذية والقضائية في دولة الاحتلال وأثارت عاصفة من الانتقادات من داخل الأجهزة الأمنية والمعارضة السياسية، فضلًا عن جمهور الاحتلال.

الذريعة: إخفاقات أمنية أم تصفية سياسية؟
نتنياهو برر قراره بالإطاحة برونين بار بالإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، والذي شنّته حركة “حماس” على مستوطنات وقواعد عسكرية إسرائيلية محاذية لغزة.
وقال نتنياهو: “الوقت مناسب لإنهاء ولاية رئيس الشاباك رونين بار، وذلك بعد تقارير جهازه عن إخفاقات 7 أكتوبر”.
وأضاف أن هذا النهج ليس استثناءً، مشيرًا إلى مغادرة رئيس الأركان السابق هرتسي هاليفي منصبه مطلع الشهر الجاري.
لكن خلف هذا التبرير، يرى مراقبون ومعارضون أن القرار يحمل دوافع سياسية صرفة، خصوصًا بعد أن حمّل جهاز “الشاباك” في تقييماته الداخلية القيادة السياسية، وعلى رأسها نتنياهو، مسؤولية الفشل في إحباط هجوم “المقاومة”.
ردود فعل غاضبة
خطوة الإقالة فجرت احتجاجات حاشدة في القدس وتل أبيب ومدن أخرى، حيث تظاهر الآلاف، يتقدمهم رموز أمنية وسياسية بارزة، دفاعًا عن استقلالية “الشاباك” ورفضًا لما وصفوه بـ”انقلاب نتنياهو على الديمقراطية”.
أبرز الأصوات جاء من كارمي جيلون، الرئيس الأسبق لجهاز “الشاباك”، الذي قال في تظاهرة بالقدس: “نتنياهو يضحي بالشاباك وبالنائب العام، وسيكمل الأسبوع بتدمير مكانة المحكمة العليا”. وأضاف: “ربما تكون هذه آخر الاحتجاجات الديمقراطية في دولة إسرائيل”.
في ذات السياق، سارعت المعارضة إلى تقديم التماسات إلى المحكمة العليا، شملت أحزاب “هناك مستقبل”، و”معسكر الدولة”، و”إسرائيل بيتنا”، إلى جانب منظمات مدنية مثل “حركة جودة الحكم”، متهمة نتنياهو باستخدام سلطاته بشكل تعسفي لتصفية حسابات مع الأجهزة التي ترفض تغطية فشله السياسي والأمني.
وأكدت الالتماسات أن القرار “قائم على اعتبارات خارجية تتعلق بتحقيقات يجريها الشاباك في مكتب نتنياهو”، بالإضافة إلى نشر تقارير رسمية تشير إلى تورط القيادة السياسية في كارثة 7 أكتوبر.
ورغم قرار المحكمة العليا بتجميد الإقالة لحين البت في هذه الالتماسات، سارع نتنياهو إلى تجاهل الحكم، معلنًا أن بار سيغادر في 10 أبريل، سواء تم تعيين بديل دائم أو لم يتم.
وهو ما يُعد تحديًا صارخًا لمكانة القضاء، ويعيد إلى الواجهة أجواء الانقسام التي شهدها الاحتلال خلال معركة “إصلاحات القضاء” في عام 2023، والتي كادت تؤدي إلى شلل مؤسسات الدولة.
أزمة نتنياهو
ما يعمّق أزمة نتنياهو ليس فقط قراره ضد رونين بار، بل تزامن ذلك مع موجة احتجاجات أخرى تُطالب بإبرام صفقة تبادل أسرى مع حركة “حماس” للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين في غزة.
فالغضب يتنامى، خصوصًا مع تكرار إخفاقات الحكومة في إدارة الملف، بينما تدفع عائلات الرهائن إلى الساحات، مطالبة بإجبار الحكومة على التحرك لإنقاذ ذويهم.
الاحتجاجات المزدوجة – ضد إقالة بار وضد تأخر صفقة الأسرى – تعكس صورة مأزومة للمجتمع الإسرائيلي، الذي بدأ يفقد ثقته في قيادة تعتبرها المعارضة “منفصلة عن الواقع”.
كما أن إحالة مسؤولية الفشل الأمني إلى رأس الجهاز الأمني الداخلي، دون محاسبة على المستوى السياسي، يثير تساؤلات عن مدى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على التماسك في وجه الأزمات.
تصريحات نتنياهو بأنه “لن تكون هناك حرب أهلية، وإسرائيل ستبقى ديمقراطية” لا تطمئن كثيرًا في نظر معارضيه، بل يرونها إشارة إلى إدراكه العميق لخطورة الانقسام الداخلي، ومحاولة استباقية لتبرئة ساحته في حال تطورت الاحتجاجات إلى صدامات حادة، كما أن الحال الذي وصل إليه مجتمع الاحتلال يكشف عن حنكة المقاومة التي تستطيع ضرب الداخل السياسي الإسرائيلي.
اقرأ أيضًا : غزة تحت القصف والمجاعة.. والأنظمة العربية في سبات عميق