في تصعيد غير مسبوق، هدد وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي الجديد، جدعون ساعر، فرنسا بـ”الرد الأحادي” إذا ما مضت باريس في قرارها المرتقب بالاعتراف رسميًا بدولة فلسطينية مستقلة.

يأتي هذا التهديد في أعقاب تصريح للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن فيه أن بلاده قد تقدم على هذه الخطوة خلال شهر يونيو المقبل، في سياق دعم دولي متزايد لحقوق الفلسطينيين، وتزامنًا مع مؤتمر دولي مرتقب حول فلسطين في نيويورك.

يعبّر هذا التوتر المتصاعد عن هشاشة الخطاب الإسرائيلي في مواجهة تغيرات المزاج الدولي، ويؤكد أن الاحتلال لا يتردد في تهديد حتى حلفائه التاريخيين عندما يتعلق الأمر بأي مساس بهيمنته السياسية والأمنية على القضية الفلسطينية.

تهديدات الاحتلال تكشف ذعره من الاعتراف الدولي بفلسطين

في تصريح لافت لصحيفة التلغراف البريطانية، وصف ساعر اعتراف فرنسا المرتقب بدولة فلسطينية بأنه “خطأ فادح”، مضيفًا أن “تل أبيب ستُجبر على الرد بشكل أحادي”، وهو تعبير فضفاض يحمل تهديدًا مبطنًا لفرنسا بخسارة نفوذها الإقليمي ومكانتها الدولية.

وعلى الرغم من أنه لم يوضح طبيعة هذا الرد، إلا أن الرسالة كانت واضحة: إسرائيل مستعدة لاستخدام أدواتها السياسية والدبلوماسية وحتى الأمنية لمنع أي تقدم في الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية.

هذا التهديد لا يعبّر فقط عن موقف سياسي، بل يكشف عن حالة خوف استراتيجية يعيشها الاحتلال من أن تتحول موجة الاعترافات الرمزية إلى واقع سياسي يفرض عليه التفاوض من موقع ضعف، أو حتى مواجهة عزلة دولية، خاصةً مع تزايد الضغوط على إسرائيل عقب عدوانها المستمر على قطاع غزة، وتصاعد الانتقادات في المحافل الأممية.

فرنسا في قلب العاصفة… وماكرون يفتح ملف فلسطين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فاجأ الجميع بتصريحه لقناة “فرانس 5” بأن باريس تفكر بجدية في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مؤكدًا أن القرار “لا يهدف إلى إرضاء أحد، بل ليتماشى مع متطلبات المرحلة”، مضيفًا أنه يسعى لتشجيع الاعتراف بإسرائيل من بعض الدول العربية والإسلامية في المقابل، ضمن رؤية تقوم على “التوازن”.

إلا أن هذه الرؤية لاقت رفضًا مباشرًا من الاحتلال الإسرائيلي. فإلى جانب ساعر، هاجم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الرئيس الفرنسي بشدة، واصفًا قراره بأنه “جسيم”، بل وهاجم فرنسا ضمنيًا باتهامها بازدواجية المعايير، حين قال: “لن نقبل مواعظ عن إقامة دولة فلسطينية ممن يعارضون استقلال كورسيكا وكاليدونيا الجديدة”.

بهذا الخطاب، يحاول نتنياهو تصدير رواية مفادها أن إقامة دولة فلسطينية تشكل خطرًا وجوديًا على “إسرائيل”، في حين أن استقلال أي منطقة أخرى لا يهدد وجود الدولة الفرنسية. وهو بذلك لا ينفي حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم فقط، بل يبرر استمرار الاحتلال والاستيطان والعنصرية والعدوان، تحت ذريعة “الأمن الإسرائيلي”.

النهج الإسرائيلي القائم على التهديد ورفض السلام

الرد الإسرائيلي المتشنج على مجرد تصريح سياسي من دولة أوروبية، يكشف جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه أي مبادرة سلام لا تخضع بالكامل لإملاءاتها. فبدلاً من الانخراط في نقاش دولي حول كيفية إنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة، تلجأ إسرائيل إلى التهديد، والتلويح بسحب التعاون، وشيطنة كل من يدعو لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

إن النهج الإسرائيلي في التعامل مع قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والذي ظهر في تهديدها للسويد سابقًا، ورفضها ضغوط أيرلندا وإسبانيا، يتكرر الآن مع فرنسا. 

هذا النهج يُظهر كيف أصبحت “إسرائيل” رهينة لرؤية يمينية متطرفة، لا تؤمن بحل الدولتين، ولا ترى في الفلسطينيين شركاء في السلام، بل مجرد كيان يجب كبحه وعزله سياسيًا.

والأخطر من ذلك، أن تل أبيب أصبحت تتعامل مع أي مسعى دولي لدعم حقوق الفلسطينيين كعدوان يجب الرد عليه، حتى وإن صدر من حليف تاريخي مثل فرنسا، ما يدل على تحول الاحتلال إلى قوة مارقة تتحدى القانون الدولي وتعمل على تقويض النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.

هل ينكسر جدار الرفض الدولي؟

في ظل تصاعد الغضب العالمي من المجازر الإسرائيلية في غزة، وتنامي موجة التضامن مع القضية الفلسطينية في الغرب، تبدو خطوة فرنسا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، إن تمت، بمثابة كسر لحاجز الخوف الأوروبي من ردود الفعل الإسرائيلية.

وبينما يلوح الاحتلال بالردود و”فقدان النفوذ”، فإن الواقع يُظهر أن إسرائيل تفقد أساسًا دعمًا كبيرًا في الرأي العام الغربي، حتى داخل المجتمعات اليهودية في أوروبا وأمريكا. فالمعادلة تتغير، والضغوط تتزايد، ومع كل تهديد تصدره تل أبيب، تزداد قناعة الشعوب والحكومات حول العالم أن هذا الكيان لا يمكنه أن يستمر بالإفلات من المحاسبة.

ويبقى السؤال: هل يكون يونيو القادم موعدًا لتحول في الموقف الأوروبي من دولة فلسطين؟ وهل تصمد باريس في وجه التهديدات الإسرائيلية وتقرر الوقوف في صف العدالة؟ أم أن تهديدات الاحتلال ستُجدي في كبح الاعتراف الجديد؟ الإجابة ستحدد ملامح مرحلة جديدة في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

اقرأ أيضًا : القسام تفجّر نفقًا وتوقع قتلى بصفوف الاحـ.ـتلال.. المقـ.ـاومة مستمرة