أثار مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي موجة من التساؤلات بعد ظهور عنصر أمني يتحدث بلهجة خليجية، ضمن طاقم الشركة الأمنية الأمريكية التي تشرف على آلية توزيع المساعدات في قطاع غزة، وهي الآلية التي فرضتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضمن ما تُسمّى بـ”المناطق العازلة”.

وتكمن خطورة المشهد في توقيته وسياقه، إذ يأتي بعد فشل ذريع للمشروع الإسرائيلي في تمرير الخطة الإنسانية المزعومة، وبعد اتهامات واسعة باستخدام “المساعدات” كغطاء للهيمنة الأمنية والتمهيد لمشاريع تهجير.

وقد تساءل ناشطون وصحفيون عن هوية العنصر العربي الظاهر في المقطع، هل هو إماراتي وما طبيعة دوره في الشركة الأمنية الأمريكية، والأهم: هل يُمثّل نفسه أم دولة خليجية متورطة في تنفيذ الأجندة الإسرائيلية الأمريكية؟ وهل نشهد مرحلة جديدة من “العسكرة العربية” لصالح مشاريع الاحتلال في غزة؟

آلية أمريكية بواجهة إنسانية ومضمون أمني

منذ إعلان جيش الاحتلال بدء تطبيق الآلية الجديدة لتوزيع المساعدات جنوب قطاع غزة، والتي تُدار من قبل شركة أمنية أمريكية، تصاعدت الانتقادات الحقوقية والسياسية التي اعتبرتها التفافاً خطيراً على العمل الإنساني التقليدي بقيادة الأمم المتحدة. 

ووفق بيان صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن ما جرى على الأرض يؤكد فشل المشروع منذ لحظاته الأولى، بعدما اندفع آلاف المواطنين إلى مراكز التوزيع في مشهد مأساوي، انتهى باقتحام المخازن، وإطلاق النار من قبل قوات الاحتلال، وإصابة عدد من المدنيين، ما يعكس حجم الفوضى والانهيار الكامل للمسار الإنساني.

الفكرة المركزية التي تُصر عليها سلطات الاحتلال هي تحويل ملف المساعدات من ورقة ضغط ضدها إلى أداة للسيطرة، عبر “مناطق عازلة” يجري فيها توزيع الغذاء وفق شروط أمنية إسرائيلية، وبإشراف شركة أمريكية يدور حولها كثير من الغموض، خصوصاً مع تواتر الأنباء عن انخراط عناصر من جنسيات غير أمريكية، وربما عربية، في طواقمها الميدانية.

العنصر العربي.. الدور الخليجي الخفي؟

المقطع المتداول الذي يُظهر عنصراً أمنياً يتحدث بلهجة خليجية أثار موجة من التساؤلات على منصات التواصل. 

بدا العنصر جزءاً من الفريق المكلف بتأمين ما يسمى “نقاط التوزيع الآمنة”، ما دفع مراقبين إلى ربط هذا الظهور بالدور المتنامي لبعض الدول الخليجية، وفي مقدمتها الإمارات، في ملفات أمنية واستخباراتية ترتبط بإسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة.

الإمارات، التي سبق وأن دعمت قوات “الدعم السريع” في السودان في سياق مشبوه يُقال إنه يهدف إلى تفتيت البلاد وإقامة مناطق نفوذ بديلة، تُتهم الآن بدعم المخططات الإسرائيلية في غزة من بوابة “المساعدات”. 

وكانت تقارير صحفية قد كشفت قبل أشهر عن تحركات إماراتية تهدف إلى استقبال لاجئين فلسطينيين على أراضٍ يسيطر عليها حلفاؤها، مقابل تمرير مخطط تهجير واسع.

وجود عنصر أمني خليجي ضمن بعثة أمريكية مكلفة بالإشراف على مناطق تخضع لرقابة الاحتلال، يعزز فرضية أن بعض الأنظمة العربية لا تكتفي بالتطبيع العلني مع الاحتلال، بل تشارك فعلياً في تمرير مخططاته، خصوصاً تلك التي تندرج ضمن استراتيجية “غزة ما بعد الحرب”، والتي تقوم على تفريغ القطاع من سكانه، وإعادة تشكيل بنيته السياسية والإدارية بما يخدم أمن “إسرائيل”.

مخاوف من عسكرة المساعدات وتدويل القمع

المشهد الأخير يعكس، بحسب مراقبين، مرحلة جديدة من عسكرة المساعدات في غزة، تتحول فيها المعونات الإنسانية من وسيلة إغاثة إلى أداة للهيمنة الأمنية، تُدار من قبل شركات خاصة متعددة الجنسيات، وتُغلف بغلاف “إنساني” بينما هي في حقيقتها غطاء لإعادة تشكيل الوضع السياسي في غزة بالقوة.

وإذا كانت إسرائيل قد فشلت في فرض الأمن بالآلة العسكرية، فهي تحاول الآن إعادة صياغة المشهد من خلال ما تسميه “النظام الإنساني الآمن”، لكن هذه الخطة تصطدم بجدار الواقع: الناس الجائعون لا يتعاملون مع الأمن كمنقذ، بل كامتداد للاحتلال نفسه.

ويحذر محللون من أن إشراك عناصر عربية، أو دول عربية مثل الإمارات، في تنفيذ هذه الخطط، هو استدعاء لنموذج “المرتزقة الجدد”، حيث لا يكتفي الاحتلال بتوظيف الشركات الأمنية الأمريكية، بل يستفيد أيضاً من التسهيلات والمشاركات التي تقدمها بعض الأنظمة العربية لأسباب تتعلق إما بالرغبة في كسب رضا واشنطن، أو بتصفية حسابات إقليمية على حساب الشعب الفلسطيني.

هل تشارك الإمارات؟

ما بين عنصر خليجي يرجح أنه إماراتي في شركة أمنية أمريكية، وبين خطط إسرائيلية لتوزيع المساعدات بطريقة أمنية عنصرية، تتكشّف ملامح مرحلة جديدة في الصراع على غزة. 

مرحلة قد لا يكون الاحتلال فيها وحده اللاعب المباشر، بل تُمنح فيها بعض الدول العربية دور “الشريك المنفذ”، في مشهد يُعيد طرح السؤال الجوهري: من يقف اليوم مع فلسطين ومن ضدها؟ وهل يمكن للمواطن العربي أن يثق بعد اليوم في أن دوله لا تُستخدم أدوات في مشاريع الاحتلال؟

ظهور العنصر الخليجي ليس مجرد صدفة، بل مؤشر على ما هو أعمق وأخطر: عسكرة المساعدات، وخصخصة السيطرة، وتدويل القمع، وكل ذلك على حساب شعب محاصر منذ أكثر من 600 يوم، ويُترك الآن فريسة للجوع والمخططات السياسية.

اقرأ أيضًا : غزة تحذر من مؤامرة غذائية: الاحتلال يوظف مؤسسة مشبوهة للسيطرة على القطاع