وسط أزمة إنسانية متفاقمة في قطاع غزة بفعل الحرب والحصار المستمر، فجّرت وزارة الداخلية في غزة تحذيراً خطيراً بشأن محاولات الاحتلال الإسرائيلي السيطرة على ملف توزيع المساعدات عبر “مؤسسة مشبوهة تخدم سياساته وأهدافه العسكرية”، في التفاف واضح على دور المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأونروا.
هذه التحذيرات تعيد تسليط الضوء على خطط الاحتلال لتوظيف المعاناة الإنسانية كورقة ضغط ضمن مخطط أكبر يستهدف تهجير السكان وتفكيك المجتمع الفلسطيني.

خطة الاحتلال للالتفاف على المؤسسات الدولية
قالت وزارة الداخلية والأمن في غزة إن الاحتلال يحاول تنفيذ آلية جديدة للسيطرة على ملف المساعدات الإنسانية داخل القطاع عبر مؤسسة خاصة مشبوهة مدعومة من واشنطن وتل أبيب، مؤكدة أن هذه الخطوة تمثل محاولة لتجاوز مؤسسات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها وكالة “الأونروا”، ما يضرب مبدأ الحياد والنزاهة الإنسانية بعرض الحائط.
وأضافت الوزارة أن هذا المسار الجديد يسعى لإيجاد بدائل مشكوك في نزاهتها بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض، تصب في خدمة أهداف الاحتلال الاستراتيجية، وعلى رأسها التجويع كأداة حرب، ودفع السكان نحو النزوح القسري، ضمن خطة تهجير منظمة يتم تنفيذها بالتدريج.
وتشير التقارير إلى أن الاحتلال يستخدم أدوات ناعمة وواجهات “غير حكومية” لترويج خطته، لكن الجوهر يبقى سيطرة إسرائيلية كاملة على من يستحق المساعدة، ومتى وأين، وهو ما يرفضه الفلسطينيون والمؤسسات الدولية. وقد أبدت الأمم المتحدة بالفعل رفضها القاطع لهذا المخطط، محذرة من أنه سيؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة ويحول المساعدات إلى أداة ضغط سياسي وعسكري.
مؤسسة مشبوهة.. ورئيس يستقيل اعتراضًا
وفي صلب هذه الخطة، برز اسم مؤسسة إغاثة غزة الإنسانية، وهي منظمة خاصة مدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة، أعلنت أنها ستبدأ عمليات توزيع المساعدات في القطاع المحاصر.
المفارقة أن إعلان المؤسسة جاء بعد ساعات فقط من استقالة رئيسها التنفيذي، الجندي الأميركي السابق في المارينز “جيك وود”، الذي فجّر مفاجأة مدوية بقوله إن تنفيذ الخطة “لا يمكن أن يتم بما يتماشى مع المبادئ الإنسانية الأساسية كالحياد والاستقلالية”.
استقالة وود كشفت عن عمق التورط الإسرائيلي في إدارة المساعدات كأداة سياسية، إذ أشار الرئيس المستقيل إلى أنه لا يمكن ضمان عدم تسييس المساعدات أو توجيهها لخدمة أجندات محددة.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه المؤسسة عزمها التوسع لخدمة كل سكان القطاع، بدت التصريحات من الجانب الإسرائيلي مغايرة، حيث تحدث مسؤولون عن “تجريب آليات جديدة” و”التركيز على مناطق محددة”، ما يطرح تساؤلات خطيرة حول نوايا الاحتلال في توزيع المساعدات بشكل غير عادل، بما يؤدي فعلياً إلى فرض مناطق “محرومة” كنوع من العقاب الجماعي.
تجنيد مشبوهين وتواطؤ دولي.. ياسر أبو شباب نموذجًا
وفي تطور مثير يعزز شكوك وزارة الداخلية في غزة، كشفت مصادر أمنية فلسطينية عن تورط الاحتلال في تجنيد عناصر مشبوهة على الأرض للمساعدة في تنفيذ خطة السيطرة على المساعدات، من بينهم تاجر المخدرات المعروف ياسر أبو شباب.
بحسب المصادر، فإن أبو شباب -الذي تم رصده خلال الأشهر الأخيرة في تحركات مشبوهة شمال القطاع- يتعاون مع المؤسسة المذكورة ويدير شبكة توزيع لها صلات مباشرة بجهات أمنية إسرائيلية.
وقد تم توثيق تورطه في عمليات تلاعب وتوزيع انتقائي للمساعدات، فضلاً عن محاولات لتأليب السكان ضد المقاومة عبر شبكات إعلامية وهمية مدعومة من الاحتلال.
الأخطر أن هذه المعلومات تأتي في ظل ما وُصف بـ”تواطؤ” من بعض الجهات الدولية، وعلى رأسها الصليب الأحمر الدولي، الذي رفض حتى الآن التعليق على تقارير تفصيلية تكشف معرفته المسبقة بدور أبو شباب وتحركاته، وسط صمت يثير الريبة حول التزام المنظمة بقواعد العمل الإنساني المحايد.
وفي هذا السياق، شددت وزارة الداخلية في غزة على أن كل من يشارك في هذه المؤامرة سيُعد طرفًا في جريمة حرب مكتملة الأركان، مطالبة الجهات الدولية بالتحقيق في تورط عناصر مشبوهة ودور الاحتلال في تخريب أي مسار إنساني حقيقي.
سياسة “المساعدات مقابل الولاء” وجرائم التجويع
تكشف المعطيات أن الاحتلال لا يتوقف عند القصف والدمار، بل يسعى الآن للسيطرة على آخر شريان حياة لغزة: المساعدات الإنسانية. وعبر مؤسسة لا تتمتع بأي مصداقية ميدانية أو دولية، وبتواطؤ بعض العناصر المشبوهة، يسعى لتطبيق سياسة “المساعدات مقابل الولاء”، في محاولة بائسة لاختراق المجتمع الفلسطيني.
هذا المسار، وفقاً للبيانات الرسمية الفلسطينية، يمثل جريمة تجويع جماعية ومحاولة لفرض الوقائع بالقوة الناعمة، بعد أن عجزت القوة الخشنة عن كسر إرادة الناس والمقاومة.
ويبقى السؤال الملح: هل سيصمت المجتمع الدولي أمام جريمة ممنهجة من هذا النوع، أم ستُرفع الأصوات لوقف ما يشبه “الحصار داخل الحصار”، وتفكيك مشروع التهجير الإسرائيلي الذي يتسلل هذه المرة من بوابة “الخبز والدواء”؟
اقرأ أيضًا : الاحتلال يهدد بضم الضفة وغور الأردن.. إسرائيل تواجه الاعتراف الدولي بفلسطين بالابتزاز السياسي