في ضربة جديدة للاقتصاد السعودي، أعلنت وزارة المالية أن عجز الموازنة العامة للعام 2025 سيبلغ 5,3% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يفوق ضعف التقديرات السابقة البالغة 2,3%. هذا الإعلان مثّل صدمة للمراقبين، خاصة وأنه جاء في وقت تشهد فيه البلاد إنفاقًا متضخمًا على المشاريع الضخمة لولي العهد محمد بن سلمان، وفي مقدمتها مشروع “نيوم” الذي يلتهم مئات المليارات من الدولارات دون عوائد ملموسة.
تراجع الإيرادات النفطية من جهة، والإنفاق الحكومي غير المنضبط من جهة أخرى، وضعا المملكة أمام أزمة مالية حادة تُهدد “رؤية 2030” التي يسوّق لها بن سلمان بوصفها الخلاص الاقتصادي للسعودية.

أسباب العجز: النفط يتراجع والمشاريع تلتهم الأموال
أبرز ما يفسّر تضاعف العجز هو تراجع العائدات النفطية التي لا تزال تمثل شريان الاقتصاد السعودي. ورغم محاولات الرياض إظهار قدرتها على التنويع الاقتصادي، فإن الحقيقة تؤكد أن اعتمادها على النفط لا يزال حاكمًا.
تقديرات وزارة المالية تشير إلى تراجع الإيرادات بنسبة 13,4% هذا العام، وهو ما يتقاطع مع الأداء الضعيف لشركة أرامكو التي سجّلت تراجعًا في أرباحها للربع العاشر تواليًا. هذا الانخفاض، الذي بلغ 22% في الربع الثاني من 2025، يعكس بوضوح أن طفرة 2022 النفطية كانت ظرفًا استثنائيًا لا يمكن البناء عليه.
في المقابل، تتواصل موجة الإنفاق الضخم على المشاريع العملاقة مثل مدينة نيوم المستقبلية بتكلفة 500 مليار دولار، والمطار الجديد في الرياض، والمشاريع الترفيهية والسياحية. هذه المشاريع، بدلًا من أن تكون استثمارًا منتجًا، تحولت إلى نزيف مالي ضخم يفاقم العجز ويستنزف الخزينة العامة.
أبعاد سياسية: رؤية 2030 تحت التهديد
من الناحية السياسية، يُقدّم هذا العجز ضربة موجعة لرؤية محمد بن سلمان التي بُنيت على وعود بالتحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد متنوع. لكن الأرقام تكشف هشاشة هذه الرؤية؛ فالمملكة لا تزال أسيرة النفط، والمشاريع العملاقة لم تجذب بعد الاستثمارات الموعودة.
اللافت أن البيان التمهيدي للميزانية أشار إلى استمرار العجز في السنوات المقبلة، حيث يُتوقع أن يبلغ 3,3% من الناتج المحلي في 2026، ثم يتراجع بشكل طفيف فقط ليصل إلى 2,2% بحلول 2028. هذه الأرقام توضح أن الإصلاحات الاقتصادية المزعومة لا تعالج جذور الأزمة، بل تكتفي بتأجيل الانفجار الاقتصادي القادم.
مستقبل الاقتصاد: سيناريوهات مقلقة
المشهد المستقبلي يحمل عدة سيناريوهات:
- تصاعد المديونية: استمرار العجز بهذا الحجم سيؤدي حتمًا إلى زيادة الاقتراض الداخلي والخارجي، ما يثقل كاهل الأجيال القادمة.
- إجراءات تقشفية: قد تلجأ الحكومة إلى رفع الضرائب وخفض الدعم، مما سينعكس سلبًا على المواطنين ويزيد من معدلات البطالة والفقر.=
- خسارة الثقة الدولية: تفاقم العجز وتراجع عائدات أرامكو سيؤديان إلى تراجع ثقة المستثمرين الدوليين، ما يهدد تدفق الاستثمارات الأجنبية التي تُعتبر ركيزة أساسية في رؤية 2030.
أرامكو: العملاق المتعب
أداء شركة أرامكو، التي لطالما اعتُبرت العمود الفقري للاقتصاد السعودي، يعكس حجم الأزمة. الأرباح التي تراجعت بنسبة 4,6% في الربع الأول و22% في الربع الثاني من 2025، لا تكفي لتمويل الإنفاق الجنوني على المشاريع الضخمة. والأخطر أن أرامكو لم تعد قادرة على توفير نفس الحماية للاقتصاد السعودي كما في السابق، مما يفتح الباب أمام أزمة سيولة خانقة قد تهدد مشاريع الدولة.
خاتمة: اقتصاد على حافة الهاوية
إعلان وزارة المالية عن تضاعف عجز الموازنة يكشف بجلاء أن الاقتصاد السعودي يسير في اتجاه معاكس للوعود البراقة التي يطلقها ولي العهد. فبينما يتفاخر محمد بن سلمان بمشاريع خيالية كـ”نيوم” ويعرض نفسه كقائد إصلاح اقتصادي، تغرق المملكة في عجز مالي متنامٍ، وتبقى رهينة تقلبات النفط وأسواق الطاقة.
الواقع اليوم يقول إن محمد بن سلمان دمّر اقتصاد المملكة، إذ حوّل الموازنة إلى رهينة لمغامرات غير محسوبة، وبدد فوائض النفط في مشاريع دعائية أكثر منها تنموية. ومع استمرار هذا النهج، فإن السنوات القادمة تنذر بمزيد من الأزمات المالية والاجتماعية، قد تكون الأخطر في تاريخ المملكة الحديث.
اقرأ أيضًا : خطة ترامب تحت النار: رفض واسع واتهامات بتمهيد لتصفية القضية الفلسطينية