منذ سقوط نظام بشار الأسد البائد في ديسمبر 2024، تتوالى التقارير التي ترصد ملامح المشهد السوري الجديد، حيث يبرز ملف اللاجئين كأحد أبرز التحديات المطروحة.
فقد أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن نحو 400 ألف لاجئ سوري عادوا من دول الجوار، بالإضافة إلى أكثر من مليون نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم الأصلية، ليصل العدد الإجمالي للعائدين إلى أكثر من 1.4 مليون شخص.
مشهد يبدو للوهلة الأولى باعثًا على التفاؤل، لكنه يخفي خلفه الكثير من التساؤلات والشكوك حول مدى واقعية هذه العودة، واستدامتها، وضماناتها، في ظل الظروف المتهالكة التي خلفها نظام المخلوع بشار الأسد من تدمير للمقدرات السورية.
فهل نحن أمام بداية حقيقية لعودة الحياة إلى سوريا ما بعد الأسد؟ أم أن هذه العودة محفوفة بالمخاطر وقد تتحول إلى موجة تهجير جديدة تحت ضغوط الحاجة وانعدام البدائل؟ وبين الأمل والقلق، يظل موقف المجتمع الدولي وتحديدًا المفوضية الأممية، مفتاحًا لفهم هذا التحول الدراماتيكي في المشهد السوري.

1.4 مليون عائد.. الأرقام لا تروي القصة كاملة
الأرقام التي قدمتها المفوضية تعكس تحركًا واسعًا في اتجاه العودة الطوعية، لكن من المهم أن نضعها في سياقها الحقيقي.
فسوريا لا تزال تعاني من انهيار شبه كامل في البنية التحتية، وتراجع اقتصادي كارثي، ودمار واسع في المناطق السكنية، وهو ما يجعل “العودة” ليست بالضرورة إلى حياة آمنة أو مستقرة، بل إلى بيئة مهددة بالفقر والجوع والبطالة.
وبحسب المفوضية، فإن 90% من سكان سوريا – أي نحو 16.7 مليون شخص – بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينما لا يزال 7.4 ملايين نازح داخل البلاد، وهي أرقام صادمة تُظهر أن البلاد لم تدخل بعد في مرحلة التعافي الفعلي.
بل ويمكن القول إن العودة إلى سوريا اليوم لا تعني العودة إلى الوطن بمفهومه الكامل، بل مجرد الخروج من المجهول إلى المجهول.
وبينما تمثل نهاية العام الدراسي فرصة للبعض للتفكير في العودة، فإن غياب الدعم الإنساني الكافي – كما حذرت المفوضية – قد يحوّل هذه العودة إلى تجربة مريرة تنتهي بالعودة مجددًا إلى المنافي، أو بما هو أسوأ: الوقوع فريسة للمهربين أو الاستغلال في الداخل.
دعم غائب وتمويل مهدد.. والمفوضية تُقرع الجرس
المفوضية حذّرت بوضوح من أن نجاح العودة واستدامتها مرهون بدعم جاد في قطاعات أساسية كالمأوى وسبل العيش والحماية والمساعدة القانونية.
ووصفت الأزمة بأنها لا تتعلق بالرغبة في العودة، بل بغياب الوسائل، نتيجة خفض كبير في تمويل المانحين ما بين 2024 و2025. وهذا الانخفاض يهدد ليس فقط برامج الدعم، بل وجود المفوضية نفسه في الميدان، حيث يُتوقع تقليص عدد موظفيها بنسبة تصل إلى 30% داخل سوريا.
والأخطر أن هذا التراجع في التمويل يحدث في لحظة مفصلية، إذ أشارت المفوضية إلى أن نحو 1.5 مليون شخص قد يكونون مستعدين للعودة خلال هذا العام، لكن من دون دعم حقيقي، قد يجد هؤلاء أنفسهم أمام خيار واحد: المغادرة من جديد، إما إلى مناطق أكثر أمنًا داخل سوريا، أو إلى خارجها مجددًا.
هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان مآسي النزوح المتكرر، حيث تفتقر الجهات الإنسانية للموارد اللازمة، بينما تقف الحكومات عاجزة، أو غير راغبة، في توفير الحد الأدنى من مقومات الاستقرار.
سوريا بعد الأسد.. بين الدبلوماسية والتهديدات
في مشهد متوازي مع تحركات المفوضية، تحاول القيادة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع أن تُظهر تحولًا في الخطاب السياسي، حيث شارك في منتدى أنطاليا الدبلوماسي مؤكدًا تمسك سوريا بالحوار والدبلوماسية كسبيل لحل النزاعات.
وهي خطوة تحمل رسالة تطمين للداخل والخارج، خاصة مع ازدياد التحديات الإقليمية، مثل الغارات الإسرائيلية المتكررة، والتوترات مع تركيا بسبب النفوذ العسكري في الشمال السوري.
لكن لا يمكن قراءة هذه التحركات الدبلوماسية بمعزل عن واقع البلاد المتردي، فمهما أبدت الحكومة الجديدة من نوايا طيبة، فإن استقرار سوريا يتطلب جهودًا هائلة لإعادة الإعمار، وتحقيق العدالة الانتقالية، وضمان عودة آمنة للاجئين – وهي ملفات لا تحلها الكلمات الرنانة في المنتديات الدولية، بل تحتاج إلى خطوات ملموسة على الأرض.
كما أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا، بذريعة محاربة النفوذ الإيراني أو التركي، تزيد من هشاشة الوضع الأمني، وتبعث برسائل سلبية للعائدين المحتملين بأن البلاد ما زالت ساحة صراعات دولية مفتوحة.
هل من فرصة لإنهاء النزوح؟
عودة 400 ألف لاجئ سوري هي بلا شك تطور مهم، لكنه لا ينبغي أن يُقرأ كعلامة على انتهاء المأساة، بل على العكس، يمكن اعتبارها اختبارًا مبكرًا لمدى جاهزية النظام الجديد للتعامل مع الأعباء الهائلة المتراكمة بعد أكثر من عقد من الحرب.
اللاجئون العائدون بحاجة إلى مساكن، ومدارس، ومراكز صحية، ووظائف، وشبكات حماية قانونية.
وهم كذلك بحاجة إلى ضمانات حقيقية بألا يتم اعتقالهم أو معاقبتهم على خلفيات سياسية أو مناطقية.
وفي ظل الانقسامات الحادة، والتدخلات الخارجية، فإن الحديث عن “العودة الطوعية” يجب أن يرتبط بالقدرة على تهيئة بيئة حقيقية للكرامة الإنسانية، وليس فقط بفتح المعابر الحدودية.
إن المجتمع الدولي مطالب بأكثر من التصريحات والتمنيات، فتمويل برامج العودة يجب ألا يُنظر إليه كخدمة إنسانية فحسب، بل كجزء من استراتيجية شاملة لتحقيق السلام والاستقرار في سوريا.
ومن دون هذه المقاربة، ستظل عودة اللاجئين أقرب إلى موجات اضطرارية لا تعكس حلًا حقيقيًا، بل مجرد استراحة قصيرة في طريق اللجوء الطويل.
ما بعد العودة.. التحدي الأصعب
بين الأمل بالخلاص من الشتات، والقلق من العودة إلى اللا شيء، يقف ملايين السوريين في الخارج والداخل أمام مفترق طرق صعب.
عودة 1.4 مليون سوري قد تبدو كأنها بداية النهاية، لكنها في الواقع ليست سوى بداية لبداية جديدة – تحدياتها ربما لا تقل صعوبة عن الحرب نفسها.
وإذا لم تتضافر جهود النظام الجديد والمجتمع الدولي والمفوضيات الإنسانية لإنجاح هذه العودة عبر تمويل حقيقي وخطط متكاملة، فإن الأمل الذي عاد مع السقوط المدوي لنظام الأسد البائد قد يتلاشى سريعًا أمام جدران العجز، ليجد السوريون أنفسهم – من جديد – غرباء في وطن لا يزال يبحث عن نفسه.
اقرأ أيضًا : على كرسي متحرك.. قصة جندي سوري تحدى الموت بشجاعة لا تُقهر