في موقف سياسي لافت يعكس رؤية مغايرة لكثير من الخطابات الرسمية في المنطقة، كشف وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي عن قراءة استراتيجية للحرب الدائرة في الشرق الأوسط، مؤكداً أن الهدف الحقيقي للصراع يتجاوز بكثير مسألة البرنامج النووي الإيراني، ليصل إلى إعادة تشكيل المنطقة سياسياً وإجبارها على مسار تطبيعي مع دولة الاحتلال، إلى جانب إجهاض أي مشروع حقيقي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وقال البوسعيدي إن الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل جزء من مشروع جيوسياسي واسع يسعى إلى إعادة رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط. وأوضح أن هذا المشروع يقوم على إضعاف إيران باعتبارها أحد أبرز الأطراف المعارضة للهيمنة الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة، بالتوازي مع دفع الأنظمة العربية نحو مسار تطبيع شامل مع تل أبيب.
وتعكس هذه التصريحات إدراكاً عمانياً لطبيعة التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة منذ سنوات، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية بعيدة المدى. فالحرب، بحسب الرؤية العمانية، ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لفرض ترتيبات سياسية جديدة تعيد ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم المشروع الإسرائيلي ويمنح الاحتلال شرعية أوسع في المنطقة.

التطبيع كهدف استراتيجي للحرب في الشرق الأوسط
أحد أبرز النقاط التي شدد عليها وزير الخارجية العُماني هو أن الدفع نحو التطبيع يشكل ركناً أساسياً من أهداف الحرب الجارية. فالتصعيد العسكري، وفق هذا التحليل، يخلق مناخاً سياسياً وأمنياً يسمح بفرض وقائع جديدة على الدول العربية، تحت شعار مواجهة الأخطار المشتركة أو إعادة الاستقرار للمنطقة.
ويعني ذلك عملياً تحويل الصراع في الشرق الأوسط من صراع عربي–إسرائيلي إلى صراع إقليمي أوسع، تُقدَّم فيه إسرائيل بوصفها شريكاً أمنياً في مواجهة خصوم آخرين. هذه المقاربة، التي ظهرت بوضوح في السنوات الأخيرة، تسعى إلى إعادة تعريف أولويات المنطقة بحيث تتراجع القضية الفلسطينية إلى الهامش، بينما تتصدر ملفات أخرى المشهد السياسي والأمني.
وفي هذا السياق، حذر البوسعيدي من أن أحد الأهداف المركزية للحرب يتمثل في منع قيام دولة فلسطينية، وهو ما ينسجم مع التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة منذ توقيع اتفاقيات التطبيع في السنوات الماضية. فكلما اتسعت دائرة العلاقات مع الاحتلال، تقلصت فرص فرض تسوية عادلة للقضية الفلسطينية أو إقامة دولة مستقلة.
وتعكس هذه القراءة مخاوف عميقة لدى بعض العواصم العربية من أن يؤدي استمرار الحرب إلى فرض واقع إقليمي جديد تصبح فيه إسرائيل لاعباً مركزياً في معادلات الأمن والاقتصاد، بينما تتراجع مكانة القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية.
موقف عماني ثابت يرفض الانخراط في مسار التطبيع
في مقابل هذا المشهد المتغير، شدد وزير الخارجية العُماني على أن بلاده لن تنضم إلى ما يُسمى “مجلس السلام”، ولن تدخل في مسار التطبيع مع دولة الاحتلال. ويأتي هذا الموقف امتداداً لسياسة خارجية عمانية تقليدية تقوم على الحياد النسبي والابتعاد عن الاصطفافات الحادة في المنطقة.
وأكد البوسعيدي أن سلطنة عمان ترفض تقديم أي شكل من أشكال الدعم للحرب الدائرة، مشيراً إلى أن أي تسهيلات يمكن أن تقدمها مسقط يجب أن تكون ذات طابع دفاعي بحت، وأن تستند إلى شرعية دولية واضحة صادرة عن مجلس الأمن.
وتحاول السلطنة من خلال هذا النهج الحفاظ على دورها التقليدي كوسيط دبلوماسي في النزاعات الإقليمية، وهي سياسة اكتسبت من خلالها سمعة دولية باعتبارها جسراً للحوار بين الأطراف المتخاصمة. فلطالما لعبت مسقط أدواراً هادئة في الوساطات الإقليمية، خاصة في الملفات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة.
مفارقة المواقف الخليجية ومحاولات توريط المنطقة
في الوقت الذي تؤكد فيه عُمان رفضها الانخراط في الحرب أو الانجرار إلى مشاريع التطبيع، تتجه بعض العواصم الخليجية نحو مسار مختلف، يقوم على تعزيز التعاون الأمني والسياسي مع دولة الاحتلال.
وتبرز في هذا السياق سياسات الإمارات التي تحاول دفع المنطقة نحو اصطفاف أوسع مع إسرائيل، سواء عبر توسيع اتفاقيات التطبيع أو عبر التنسيق السياسي والأمني في ملفات إقليمية متعددة. ويرى مراقبون أن هذه السياسات تسعى إلى إقناع الولايات المتحدة بأن التحالف الإقليمي الجديد قادر على مواجهة إيران وإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط.
لكن هذه المقاربة تثير مخاوف لدى دول أخرى في المنطقة من أن يؤدي توسيع دائرة الصراع إلى إشعال مواجهة إقليمية شاملة قد تدفع دول الخليج نفسها إلى قلب المعركة، بدلاً من أن تبقى بعيدة عنها.
تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة
حذر وزير الخارجية العُماني أيضاً من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى اضطرابات خطيرة في الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل التوريد الدولية. فالمنطقة التي تشهد المواجهة الحالية تُعد شرياناً أساسياً لتجارة النفط والغاز العالمية، وأي تصعيد عسكري فيها ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والأسواق المالية.
وقد بدأت بالفعل مؤشرات هذا الاضطراب بالظهور مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاوف من تعطل حركة الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية.
وفي ظل هذه المعطيات، شدد البوسعيدي على أن الحل الوحيد القادر على تجنب هذه السيناريوهات يتمثل في وقف الحرب والعودة إلى مسار الدبلوماسية، مؤكداً أن المفاوضات السابقة مع إيران كانت قد وصلت إلى مراحل متقدمة وكان يمكن أن تفضي إلى تفاهمات مهمة بشأن الملف النووي.
دعوة للعودة إلى الدبلوماسية قبل اتساع دائرة الصراع
في ختام تصريحاته، أكد وزير الخارجية العُماني أن سلطنة عمان ستواصل جهودها من أجل خفض التصعيد وفتح قنوات الحوار بين الأطراف المتصارعة. فالحروب، بحسب الرؤية العمانية، لا يمكن أن توفر حلولاً دائمة للنزاعات المعقدة في الشرق الأوسط، بل غالباً ما تؤدي إلى تعقيدها وإطالة أمدها.
وتعكس هذه الدعوة قناعة متزايدة لدى بعض العواصم الإقليمية بأن المنطقة تقف على حافة مرحلة شديدة الخطورة، قد تعيد تشكيل توازناتها لعقود قادمة. وبينما تتصاعد أصوات الحرب في أكثر من جبهة، تحاول مسقط التذكير بأن الطريق الوحيد القادر على إنقاذ الشرق الأوسط من الانزلاق نحو الفوضى هو العودة إلى السياسة والدبلوماسية، قبل أن يصبح الصراع خارج السيطرة.
اقرأ أيضًا : تصعيد إيراني جديد يوسع دائرة الحرب ويستهدف إسرائيل وقواعد أمريكا