في تصعيد جديد للصراع المستمر على الأراضي السورية، شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الاثنين، غارات جوية عنيفة استهدفت مواقع عسكرية في محيط مدينتي حمص واللاذقية، ما أعاد مشهد الاعتداءات المتكررة التي دأبت تل أبيب على تنفيذها منذ سنوات طويلة، وسط إدانات سورية رسمية وتنديد بانتهاك السيادة الوطنية.

تفاصيل الغارات ومسرح العمليات

بحسب ما أفادت به وسائل إعلام سورية، فإن طائرات الاحتلال قصفت محيط منطقة الأوراس بريف حمص، حيث دوّت ثلاثة انفجارات متزامنة، ما يشير إلى دقة الاستهداف المسبق. 

كما استهدفت غارات أخرى منطقة سقوبين بريف اللاذقية، وتحديدًا محيط قاعدة عسكرية، دون أن تتوافر حتى الآن حصيلة دقيقة للخسائر البشرية أو المادية.

هذه الاعتداءات تأتي بعد سلسلة مشابهة في الشهر الماضي، حين شن جيش الاحتلال هجومًا على مواقع عسكرية قرب دمشق، أعقبه إنزال جوي غير مسبوق، استهدف وحدات تابعة للجيش السوري في جبل المانع، وأدى إلى مقتل ستة جنود.

الموقف الرسمي السوري: إدانة وتصعيد في الخطاب

أصدرت وزارة الخارجية السورية بيانًا شديد اللهجة، أدانت فيه “العدوان الجوي الإسرائيلي” معتبرة أنه خرق صارخ لسيادة الجمهورية العربية السورية، وانتهاك فاضح للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وأكدت الوزارة أن دمشق “لن ترضخ لأي محاولات تهدف إلى النيل من سيادتها أو المساس بأمنها الوطني”، داعية مجلس الأمن إلى تحمل مسؤولياته ووضع حد لهذه الاعتداءات المتكررة.

البيان السوري لم يقتصر على الإدانة، بل ألمح إلى استعداد دمشق للتصعيد إذا استمرت الاعتداءات، معتبرًا أن هذه الغارات جزء من “سلسلة التصعيدات العدوانية التي تنتهجها إسرائيل ضد الأراضي السورية”.

الرسائل الإسرائيلية والبعد الإقليمي

اللافت أن هذه الغارات تزامنت مع تسريبات إعلامية إسرائيلية عن لقاء مرتقب هذا الأسبوع بين وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر ووزير الخارجية السوري الجديد أسعد الشيباني. هذا التزامن يثير تساؤلات حول الرسائل المبطنة من تل أبيب، التي تسعى لإظهار قدرتها على فرض قواعد اشتباك حتى في لحظات الحديث عن قنوات دبلوماسية.

كما أن استهداف اللاذقية، ذات الموقع الحيوي على الساحل السوري، يحمل رسالة مزدوجة: الأولى تجاه دمشق لتذكيرها بقدرة إسرائيل على الوصول إلى العمق الاستراتيجي، والثانية موجهة إلى حلفاء سوريا، خاصة روسيا وإيران، بأن تل أبيب لن تتردد في توسيع رقعة استهدافها.

الاعتداءات منذ سقوط الأسد وصعود الشرع

منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 وتولي الرئيس أحمد الشرع مقاليد الحكم في مرحلة انتقالية صعبة، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية. 

بل يمكن القول إن وتيرتها ارتفعت بشكل ملحوظ، في محاولة واضحة لاستغلال مرحلة الارتباك السياسي والعسكري التي تعيشها دمشق بعد سنوات الحرب الأهلية الطويلة.

تل أبيب تسعى من خلال هذه الهجمات المتكررة إلى ضرب البنية العسكرية السورية، ومنع أي إعادة تنظيم محتملة للجيش السوري أو الفصائل الحليفة له. كما تهدف إلى توجيه رسائل مباشرة للرئيس الشرع، مفادها أن أي محاولة لإعادة بناء قدرات الردع السورية لن تمر دون رد إسرائيلي استباقي.

ورغم محاولات النظام الجديد في دمشق إعادة ترتيب أوراقه داخليًا، والانفتاح على قنوات دبلوماسية إقليمية ودولية، إلا أن إسرائيل لا تزال تتعامل مع سوريا باعتبارها ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات مع إيران وحلفائها.

القانون الدولي بين الانتهاك والصمت

تعكس هذه الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة حالة عجز دولي واضحة. فرغم إدانات دمشق المتكررة، ونداءات الاستغاثة التي تطلقها في كل مرة لمجلس الأمن والأمم المتحدة، فإن الموقف الدولي لا يزال يتراوح بين الصمت أو الاكتفاء ببيانات قلق عامة.

هذه الازدواجية في التعامل تكشف خللًا في النظام الدولي، حيث يتم التغاضي عن انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، في حين تُعاقب دول أخرى على تجاوزات أقل حدة. وهو ما يفتح الباب أمام إسرائيل لتكرار اعتداءاتها دون خشية من تبعات قانونية أو سياسية جادة.

أبعاد استراتيجية أوسع

التحليل الأوسع لهذه الغارات يضعها في إطار صراع النفوذ الإقليمي. فمن جهة، تسعى إسرائيل إلى منع سوريا من التحول إلى دولة مستقرة ومن جهة أخرى تريد توجيه رسائل للولايات المتحدة وروسيا معًا بأنها لاعب لا يمكن تجاهله في أي معادلة تخص مستقبل سوريا.

في المقابل، يجد النظام السوري الجديد نفسه أمام تحدٍ مزدوج: إعادة بناء الداخل الممزق بعد سنوات الحرب، والتعامل مع التهديدات الخارجية المتواصلة، وفي مقدمتها الغارات الإسرائيلية. هذا المأزق يعقد قدرة دمشق على رسم سياسة خارجية متوازنة، خاصة في ظل الانقسامات الإقليمية وتباين مواقف القوى الكبرى تجاه الملف السوري.

خلاصة

تكشف الغارات الإسرائيلية الأخيرة على حمص واللاذقية أن الاحتلال مستمر في استراتيجيته القائمة على الضربات الوقائية ورسائل الردع، مستفيدًا من هشاشة الوضع السوري بعد مرحلة الأسد وصعود الشرع إلى الحكم.

وبينما تواصل دمشق التنديد والمطالبة بتحرك دولي، يبقى المشهد مرشحًا لمزيد من التصعيد، ما لم ينجح النظام السوري الجديد في فرض معادلة ردع متوازنة أو حشد دعم دولي حقيقي لوقف هذه الانتهاكات المتكررة.

اقرأ أيضًا : عملية إطلاق نار تهز القدس المحتلة.. خمسة قتلى و12 جريحا في محطة حافلات