شنت مقاتلات سعودية، مساء الأحد، غارات جوية استهدفت مواقع تابعة لميليشيا المجلس الانتقالي الانفصالية المدعومة إماراتيًا داخل محافظة المهرة شرقي اليمن، في تطور لافت يعكس حجم التوتر المتصاعد داخل معسكر التحالف نفسه، ويكشف عن تصدع عميق في إدارة الصراع والنفوذ بين الرياض وأبوظبي في المناطق الشرقية من البلاد.
وبحسب مصادر مطلعة، استهدف القصف الجوي مقر قيادة محور الغيظة العسكري، بعد رفض ميليشيا الانتقالي الانسحاب منه، رغم مطالبات رسمية متكررة. وأوضحت المصادر أن الغارات أجبرت عناصر الميليشيا على الانسحاب من المعسكر، عقب تأمين ممر آمن لخروجهم باتجاه مدينة عدن، العاصمة المؤقتة، في مشهد يعكس انتقال الرياض من سياسة الاحتواء إلى سياسة الفرض القسري للوقائع الميدانية في محافظة ظلت لسنوات خارج دائرة الاشتباك المباشر.

غارات ضد حليف مفترض
تكمن خطورة هذه الغارات في أنها لم تستهدف جماعة الحوثي أو خصمًا تقليديًا للتحالف، بل ضربت ميليشيا انفصالية محسوبة على أحد أطرافه الإقليميين. وهو ما يمنح الحدث بعدًا سياسيًا يتجاوز كونه إجراءً عسكريًا عابرًا، ويشير إلى خلافات بنيوية حول مستقبل اليمن، وحدود النفوذ، وتقاسم الجغرافيا بين السعودية والإمارات.
فالمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى صراحة لإلغاء وحدة اليمن وفرض واقع انفصالي بالقوة، مثّل خلال السنوات الماضية أداة إماراتية لفرض السيطرة على الموانئ والسواحل والمدن الجنوبية، قبل أن يبدأ تمدده شرقًا نحو حضرموت والمهرة، في مسار اعتبرته الرياض تجاوزًا لخطوطها الحمراء.
إعادة انتشار بلا قتال
بالتوازي مع الغارات، أعادت قوات الجيش اليمني وقوات “درع الوطن” انتشارها في المواقع والمقار السيادية التي كانت ميليشيا الانتقالي قد سيطرت عليها مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي دون قتال، مستفيدة من حالة الفراغ والارتباك. وانتشرت قوات “درع الوطن” في مطار الغيظة الدولي والقصر الرئاسي، فيما أعادت قوات الأمن الخاصة تمركزها في المدخل الغربي للمدينة، ورفعت العلم اليمني بعد إزالة أعلام الانفصال.
هذا المشهد حمل رسالة رمزية واضحة، مفادها أن الدولة – رغم هشاشتها – تحاول استعادة حضورها الشكلي على الأقل، ومنع تكريس نموذج الميليشيات المناطقية كبديل عن المؤسسات الرسمية، خاصة في محافظة ذات خصوصية قبلية وجغرافية مثل المهرة.
المهرة… ساحة صراع صامت
لم تكن المهرة تاريخيًا جزءًا من خطوط المواجهة الساخنة، لكنها تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى ساحة صراع صامت بين مشاريع إقليمية متنافسة. فالإمارات عملت، عبر دعم ميليشيا الانتقالي، على مد نفوذها شرقًا ضمن مشروع أوسع لتفكيك اليمن إلى كيانات ضعيفة يسهل التحكم بها، وتأمين حضور دائم على بحر العرب والممرات الاستراتيجية.
في المقابل، نظرت السعودية إلى المهرة بوصفها منطقة حساسة على حدودها الجنوبية الشرقية، وبوابة محتملة لمشاريع اقتصادية وأمنية مستقبلية، ما جعلها أكثر تحفظًا تجاه عسكرة المشهد هناك. غير أن الغارات الأخيرة تشير إلى أن هذا التحفظ لم يعد قائمًا، وأن الرياض قررت استخدام القوة لمنع أي تمدد انفصالي يهدد توازناتها.
وقف الطريق الدولي… دلالة قلق
في سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية إيقاف حركة السير مؤقتًا في الخط الدولي الرابط بين محافظتي مأرب وحضرموت، كإجراء احترازي لضبط الأوضاع. وبررت الوزارة القرار بالحاجة إلى منع أي اختلالات أمنية أو تجاوزات قد تستغل الظروف الراهنة، في ظل تصاعد التوترات وتحركات الميليشيات.
ويعكس هذا القرار مخاوف حقيقية من انتقال الصراع إلى خطوط إمداد حيوية، أو استغلال الفوضى لإرباك الجبهة الداخلية، في وقت تعاني فيه الدولة اليمنية من تآكل غير مسبوق في سلطتها وقدرتها على فرض الأمن.
تصدع داخل التحالف
تكشف غارات المهرة بوضوح عن تصدع متزايد داخل التحالف العربي، وتحديدًا بين السعودية والإمارات. فبعد سنوات من غض الطرف السعودي عن سياسات أبوظبي في الجنوب، يبدو أن الرياض باتت ترى في مشروع الانتقالي تهديدًا مباشرًا لوحدة اليمن، وربما لأمنها الإقليمي على المدى البعيد.
أما الإمارات، التي لعبت دورًا محوريًا في تمزيق اليمن عبر دعم الميليشيات والانقسامات المناطقية، فتواجه اليوم واقعًا أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد مشروعها التوسعي بلا كلفة أو اعتراض، حتى من داخل المعسكر ذاته.
في المحصلة، لا يمكن فصل ما جرى في المهرة عن الصراع الأوسع على مستقبل اليمن. فالغارات السعودية، وإن بدت محدودة، تحمل دلالة سياسية ثقيلة: مرحلة إدارة التناقضات داخل التحالف تقترب من نهايتها، ومعركة النفوذ دخلت طورًا أكثر خشونة، بينما يدفع اليمن – كعادته – ثمن صراعات إقليمية تتجاوز حدوده وإرادته.
اقرأ أيضًا : لعبة الإمارات في القرن الإفريقي: صحفي بريطاني يكشف رفضًا شعبيًا واسعًا لاعتراف الاحتلال بـ«أرض الصومال»