في تصعيد جديد يفضح زيف الحديث عن “تهدئة” أو “وقف إطلاق نار”، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي غارات مكثفة وعمليات نسف واسعة خلال الساعات الماضية في مناطق متفرقة من قطاع غزة، لا سيما مدينة رفح وشرق خان يونس ومحيط مدينة غزة. المشهد بدا وكأن الاحتلال يستأنف حرب الإبادة من جديد، وسط غموض متعمّد بشأن مصير المقاتلين الفلسطينيين في رفح، وصمت دولي لم يعد مستغربًا في ظل انحياز كامل لرواية تل أبيب.

الليل الأطول في رفح: قصف جوي وبحري ومدفعي متزامن

مع حلول منتصف الليل، عاشت رفح واحدة من أعنف ليالي القصف منذ أسابيع. الطائرات الحربية حلّقت على ارتفاعات منخفضة، ثم أطلقت رشقات متتالية من الصواريخ على أحياء سكنية في شرق المدينة وجنوبها. في الوقت نفسه، شاركت البوارج البحرية في استهداف ساحل رفح، بينما كانت المدفعية المتمركزة شرق خان يونس تطلق قذائفها بشكل مكثف في اتجاه المناطق المكتظة بالنازحين.

الانفجارات المتتالية هزّت المدينة بعنف، إذ أفاد السكان بأن قوة التفجيرات تسببت في تحطيم نوافذ وأبواب منازل تبعد مئات الأمتار عن مواقع القصف. ورغم أن الاحتلال يزعم أنه يستهدف “مناطق عسكرية”، فإن المشاهد الميدانية تكشف العكس تمامًا: منازل مدمَّرة، شوارع محروثة، وكتل الركام تحجب ملامح الأحياء التي كانت تعج بالحياة حتى وقت قريب.

عمليات نسف منظمة: سياسة الأرض المحروقة تتواصل

لم يكتف الاحتلال بالغارات الجوية، بل نفّذ عمليات نسف متعمد لعدد من الأبنية والمنشآت شرق خان يونس وشمال قطاع غزة. هذا النوع من العمليات لم يعد مجرد سلوك حربي عشوائي، بل تحوّل إلى منهج ثابت يعتمد عليه الجيش الإسرائيلي لإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية والبنية التحتية في القطاع.

“النسف” هنا ليس فعلاً تكتيكيًا فقط، بل رسالة سياسية واضحة: لا وجود لأي منطقة آمنة، ولا مكان يمكن أن يبقى صالحًا للحياة ما دام الاحتلال يقرر ذلك. ما يقوم به الجيش الإسرائيلي يشير إلى استراتيجية مدروسة لإفراغ مناطق بأكملها من سكانها من خلال الترهيب والتدمير، تمهيدًا لمرحلة جديدة من التهجير القسري.

غموض متعمّد بشأن مقاتلي رفح

من بين أكثر النقاط التي أثارت الريبة خلال الساعات الأخيرة إعلان الاحتلال العثور على “جثامين أربعة مقاتلين” في رفح، دون الكشف عن هوية هؤلاء أو ظروف استشهادهم، وفي ظل صمت مطبق حول مصير باقي المقاتلين الذين انقطعت أخبارهم.

الغموض لا يبدو عابرًا، بل جزءًا من سياسة إسرائيلية معتادة: التلاعب بالمعلومات الميدانية، وخلق روايات ضبابية تهدف إلى التأثير النفسي على الشارع الفلسطيني والمقاومة. عدم نشر تفاصيل حقيقية حول ما جرى يعزز الشكوك بشأن عمليات إعدام ميداني، أو تفجير أدى لسقوط عدد أكبر من المقاتلين ثم جرى التكتم على التفاصيل.

الاحتلال يدرك أن ملف “مقاتلي رفح” حساس للغاية، وأن الرواية حوله يمكن أن تغيّر المزاج الشعبي، لذلك يختار سياسة التقطير الإعلامي وإخفاء الحقائق.

الاستهداف المتكرر لمناطق النازحين

القصف طال مجددًا المناطق القريبة من تجمعات النازحين، رغم خلوّها من أي مظاهر عسكرية. هذا النمط تكرر عشرات المرات خلال الشهور الماضية، ويفضح ما تحاول إسرائيل إخفاءه: أن المدنيين أنفسهم جزء من بنك الأهداف، وأن استهدافهم ليس خطأً عارضًا بل جزء من الخطة.

النازحون الذين فُرض عليهم النزوح عشرات المرات لم يعد لديهم مكان يهربون إليه، فرفح نفسها تحولت إلى مدينة مثقلة بالآلام، تضاعف سكانها بسبب موجات النزوح، ثم تحولت فجأة إلى هدف مباشر للطائرات والبوارج.

تهدئة على الورق.. وعمليات عسكرية على الأرض

رغم الحديث عن “وقف إطلاق نار” منذ أسابيع، فإن ما يجري على الأرض يكشف حقيقة مختلفة تمامًا. الاحتلال يستخدم الهدنة كغطاء لإعادة التموضع، وجمع المعلومات، وإعادة بناء قواته في مناطق محددة، ثم يشن ضربات خاطفة تعيد غزة إلى نقطة الصفر.

هذا النمط استخدمته إسرائيل سابقًا في عدة حروب، حيث تُبقي قطاع غزة في حالة توتر دائم، هدوء ظاهري يعقبه قصف مفاجئ، في إطار سياسة ثابتة عنوانها: كسر إرادة السكان وإدامة حالة عدم الاستقرار.

القصف بوصفه رسالة سياسية

لا يمكن فصل ما يجري في غزة عن الساحة السياسية الإسرائيلية الداخلية، حيث يعيش نتنياهو أضعف أيامه، وتتصاعد الضغوط عليه من المعارضة والشارع وعائلات الأسرى. لذلك، يستخدم التصعيد كأداة للهروب إلى الأمام، وإظهار نفسه كقائد قوي، وإن كان ذلك على حساب دماء الأبرياء.

كما أن تل أبيب تسعى إلى إرسال رسالة لحلفائها الغربيين: “نحن ما زلنا نسيطر على الوضع”، في محاولة لتخفيف الضغط الدولي المتزايد المطالب بوقف استهداف المدنيين.

الخلاصة: التصعيد جزء من مخطط طويل لا يريد للاحتلال أن يتوقف

الغارات الأخيرة ليست حدثًا عابرًا، بل جزء من مسار متواصل يهدف إلى إعادة هندسة القطاع بالقوة العسكرية، وقضم ما تبقى من قدرة الفلسطينيين على الصمود. الغموض حول مقاتلي رفح، والنسف المنهجي، والاستهداف المتكرر للمدنيين، كلها مؤشرات على أن الاحتلال يخطط لجولة جديدة من التصعيد، ربما أشدّ من سابقاتها.

غزة تدخل مرحلة جديدة من الألم، والاحتلال يواصل العبث بمصير ملايين البشر دون رادع، بينما يقف العالم موقف المتفرج. لكن التاريخ أثبت أن هذه الأرض لا تُهزم بسهولة، وأن تحت الركام دومًا من ينهض ويقاوم.

اقرأ أيضًا : ااعتقال شيماء عيسى.. ضربة جديدة تُرسّخ دولة القمع في عهد قيس سعيّد