في خطوة أثارت صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية في تونس، أقدمت السلطات، السبت، على اعتقال القيادية المعارضة شيماء عيسى أثناء مشاركتها في احتجاج سلمي بالعاصمة، لتنفيذ حكم بالسجن لمدة 20 عامًا صدر بحقها قبل أيام.
الواقعة لم تُقرأ كحدث معزول، بل جاءت لتُعمّق الشعور بأن البلاد تدخل مرحلة من تثبيت الحكم الفردي، حيث تتحول الأحكام القضائية إلى ذراع أمنية هدفها ضرب كل صوت ينتقد الرئيس قيس سعيّد أو ينازع سلطته.

قضية “التآمر”.. ذريعة جاهزة لتصفية الخصوم

توقيف شيماء عيسى جاء بعد أحكام استئنافية قاسية شملت عشرات المعارضين في ما يعرف بـ«قضية التآمر على أمن الدولة».
الأحكام تراوحت بين 5 و45 عامًا، وأُصدرت بحق شخصيات سياسية معروفة وحقوقيين ومحامين، في محاكمة وصفها الدفاع بأنها «انتقامية» و«مبنية على ملفات خاوية» واعترافات منزوعة السياق.

هذه القضية تحولت بمرور الوقت إلى أداة مركزية في يد السلطة لضرب الأحزاب، ومحاصرة التجمعات، وإسكات كل الأصوات الرافضة للانقلاب الدستوري الذي قاده سعيّد منذ يوليو 2021.
وبدلًا من أن تكون المحاكم فضاءً لاستقلال العدالة، باتت تُستخدم كسوط لإرهاب الخصوم وتذكير الجميع بأن «المعارضة ثمنها السجن».

في هذا السياق، بدا اعتقال شيماء عيسى خطوة مقصودة لتوجيه رسالة مزدوجة:

  1. لا أحد فوق يد السلطة.

  2. كل من يرفع صوته سيلقى المصير ذاته.

خطف وتهديد.. لا قانون ولا ضمانات

شهود حضروا لحظة اعتقال عيسى تحدثوا عن تعامل مهين من قوات الأمن، تخللته عبارات تهديد وشدّ وجذب، وسط صراخ المتظاهرين.
لم يكن الأمر تنفيذًا “محترفًا” لقرار قضائي، بل أقرب إلى خطف سياسي يهدف إلى الإذلال قبل الإيقاف.

المفارقة الأكثر إثارة، أن السلطات اختارت تنفيذ الحكم خلال وقفة احتجاجية تطالب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
وكأن السلطة أرادت القول صراحة:
“لن نكتفي بإسكات المعارضين… سنجرّهم من الشارع إلى السجون أمام الجميع.”

المحامون وصفوا الواقعة بأنها خرق صريح لحقوق الدفاع، حيث لم يُسمح لهيئة الدفاع بمتابعة تفاصيل الإيقاف، كما لم تُقدَّم أي ضمانات حول سلامتها أو ظروف احتجازها.

هجوم شامل على المعارضة: قيس سعيّد يغلق آخر منافذ السياسة

منذ قرارات 25 يوليو التي أطاحت بالبرلمان وعلّقت الدستور، اعتقد البعض أن الرئيس سعيّد يسعى لـ«تصحيح المسار» بعد سنوات من الجمود السياسي.
لكن ما جرى بعد ذلك كان نسفًا بالكامل لمنظومة الديمقراطية التي بناها التونسيون بعد الثورة.

تدريجيًا، اتسعت دائرة المستهدفين لتشمل:

  • معارضين سياسيين

  • صحفيين

  • نقابيين

  • محامين

  • مدونين

  • وناشطين شبابيّين

وبين المحاكم العسكرية والتحقيقات الأمنية المطوّلة، باتت الدولة تتحرك في اتجاه واحد: خوف مرضي من أي صوت مخالف.

اعتقال شيماء عيسى ليس إلا حلقة في هذا المسار.
فالسلطة تتعامل مع كل رأي سياسي باعتباره «خطرًا على الأمن القومي»، ومع كل معارضة على أنها «تآمر» أو «عمالة»، ومع كل نقد على أنه «تشويه للدولة».

قضاء تحت الطلب.. وأحكام مفصلة على مقاس السلطة

القضية التي سُجنت فيها عيسى تنتمي إلى سلسلة محاكمات اتسمت — وفق منظمات محلية ودولية — بغياب المعايير العادلة، وضعف الأدلة، وتهم فضفاضة لا تستند إلى وقائع حقيقية.

القضاء نفسه، الذي كان يُعدّ إحدى ركائز الثورة التونسية، تحوّل في السنوات الأخيرة إلى أداة سياسية فعّالة تُستخدم لتصفية الحسابات بدل الفصل في الخصومات القانونية.

ومع إبعاد عشرات القضاة، وفرض أوامر رئاسية لتغيير هيكلة المؤسسات القضائية، أصبح من الواضح أن السلطة لم تعد تُخفي نيتها:
إخضاع القضاء بالكامل للإرادة الرئاسية.

ردود فعل غاضبة.. الشارع يغلي لكن السلطة لا تبالي

الأحزاب المعارضة أجمعت على أن ما حدث «تصعيد خطير»، و«تصفية سياسية ممنهجة».
وأكدت أن سجن شيماء عيسى ليس مجرد تنفيذ لحكم، بل هو إعلان رسمي بأن النظام لم يعد يقبل بأي شكل من أشكال التعددية.

في الشارع، تصاعدت الدعوات للتظاهر والمطالبة بإسقاط الأحكام.
النقابات والهيئات الحقوقية حذّرت من أن تونس تتجه نحو «دولة بوليسية» تستعيد ممارسات ما قبل الثورة لكن بغطاء قانوني جديد.

لكن السلطة — كعادتها — تجاهلت كل النداءات، وواصلت طريقة «الصمت الحديدي»، في إشارة واضحة أنها لا تنوي التراجع عن هذا النهج.

خلاصة: تونس في مفترق حاسم.. إمّا إصلاح سياسي أو سقوط كامل

اعتقال شيماء عيسى ليس مجرد حدث عابر، بل هو مؤشر واضح على نهاية مرحلة وبداية أخرى.
مرحلة تنقلب فيها الدولة على دستورها، وتستبدل مؤسساتها ببنية تقوم على الولاء والطاعة، وتعتبر المعارضة خطرًا وجوديًا يجب استئصاله.

هذا السلوك السلطوي يطرح أسئلة حقيقية عن مستقبل البلاد:

  • إلى أين ستصل حملة الاعتقالات؟

  • هل يمكن تدويل الملف إذا تواصل القمع؟

  • وهل يقف القضاء مستقبلاً أمام إرادة السلطة أم يظل تابعًا لها؟

تونس التي حلمت بالديمقراطية بعد 2011 تجد نفسها اليوم أمام أخطر اختبار منذ الثورة:
إما العودة إلى دولة القانون، أو الانزلاق نحو حكم فردي مطلق لا مكان فيه إلا لصوت واحد.

اقرأ أيضًا ” مسؤول أمريكي سابق: الإمارات حوّلت حرب السودان إلى ساحة تصفية معاركها مع الإخوان