لم يعد الجوع في غزة خطرًا يُحذر منه فحسب، بل أصبح واقعًا يوميًا يعيشه 2.4 مليون فلسطيني محاصرين منذ أشهر طويلة، بلا غذاء، ولا ماء، ولا دواء.
ففي وصف بالغ القسوة، أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن غزة أصبحت “أكثر الأماكن جوعًا على وجه الأرض”، محذرًا من أن الوقت ينفد، والموت يطرق الأبواب كل ساعة، في ظل حرب تجويع ممنهجة تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
ومع تصاعد المجازر اليومية وتراكم الجثث تحت الركام، تتضح ملامح جريمة إبادة جماعية تُرتكب في وضح النهار، بمباركة غربية وتواطؤ عربي مكشوف.

الأمم المتحدة تحذر من مجاعة وشيكة.. وإسرائيل تغلق الأبواب
في تصريح صادم، قال المتحدث باسم مكتب “أوتشا”، يانس لاركيه، إن الأمم المتحدة جاهزة تمامًا لإدخال المساعدات إلى غزة فورًا وعلى نطاق واسع، مضيفًا أن لديها نحو 180 ألف منصة متنقلة من المواد الغذائية والمساعدات المنقذة للحياة تم تمويلها وشحنها وتخليصها جمركيًا. إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يصر على منع دخولها، مغلقًا المعابر منذ 2 مارس/آذار، ومجبرًا سكان غزة على مواجهة الموت جوعًا.
لاركيه شدد على أن الأمم المتحدة لديها خطة ناجحة مجربة، حيث استطاعت إدخال عشرات الآلاف من الشاحنات خلال فترة وقف إطلاق النار، والوصول إلى كل فرد. لكن اليوم، تحولت هذه الخطة إلى رهينة بيد الاحتلال، الذي استبعد الأمم المتحدة بالكامل من آلية توزيع المساعدات، وكلف بدلًا منها مؤسسة إسرائيلية-أمريكية تُدعى “مؤسسة غزة الإنسانية”، لا يعترف بها أحد، ورفضت الأمم المتحدة التعامل معها.
الهدف من ذلك، كما تشير التقارير الأممية، هو استخدام المساعدات كسلاح تهجير قسري، إذ تسعى سلطات الاحتلال إلى تجويع سكان شمال غزة لدفعهم إلى النزوح نحو الجنوب، ومن ثم تفريغ المنطقة لصالح مشاريع السيطرة والاستيطان. لكن هذه الخطة واجهت رفضًا شعبيًا، وفشلت تحت وطأة الجوع والكرامة، ما دفع حشودًا يائسة إلى اقتحام مركز توزيع المساعدات الثلاثاء، ليُقابلوا بوابل من الرصاص الإسرائيلي، وسقوط مزيد من الجرحى، في مشهد يُجسد فوضى إنسانية صنعتها إسرائيل بيدها.
مجازر الاحتلال متواصلة.. والجوع رفيق القصف
في الوقت الذي تصرخ فيه غزة طلبًا للغذاء، لا يتوقف الاحتلال عن ارتكاب مجازر يومية بحق المدنيين العزل. فوفق وزارة الصحة الفلسطينية، فإن الساعات الـ24 الماضية فقط شهدت استشهاد 28 فلسطينيًا، بينهم خمسة جرى انتشالهم من تحت الأنقاض، بالإضافة إلى إصابة 179 آخرين، في مناطق متفرقة من القطاع، لا سيما غرب رفح التي تحولت إلى بؤرة موت جماعي.
وتؤكد الوزارة أن هذه الأرقام لا تشمل الضحايا في شمال القطاع، حيث تمنع قوات الاحتلال طواقم الإسعاف والدفاع المدني من الدخول، تاركة الجثث تحت الركام وفي الطرقات، في سياسة ممنهجة لتفريغ الشمال من السكان والناجين على حد سواء.
ومنذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023، ارتفعت حصيلة الشهداء إلى أكثر من 54 ألفًا، والمصابين إلى 123 ألفًا، في أرقام توثق حجم الجريمة والإبادة التي تُرتكب بأبشع صورها، في ظل صمت عالمي مطبق.
تواطؤ الأنظمة العربية.. من الخيانة إلى الشراكة في الجريمة
أمام هذا المشهد الكارثي، يطرح الفلسطينيون والعرب الأحرار سؤالًا مشروعًا: أين الحكام العرب؟ ولماذا يتواطؤون مع القاتل؟ في مقدمة المتهمين بالتخاذل، يقف عبد الفتاح السيسي، الذي حول معبر رفح إلى باب مغلق في وجه المساعدات، مستخدمًا ذرائع أمنية وادعاءات التنسيق مع الاحتلال، بينما يموت الجياع على بُعد أمتار من حدوده. السيسي، الذي كان يستطيع فتح المعبر وفرض واقع جديد، اختار أن يكون شريكًا في الحصار لا كاسرًا له.
وفي الخليج، لم يكن الموقف أفضل، بل أسوأ. محمد بن زايد، حليف الاحتلال وأبرز الداعمين للتطبيع، التزم الصمت، مكتفيًا باستقبال مجندات إسرائيليات في أبوظبي وتوسيع التعاون الاستخباري مع تل أبيب، في وقت يُقتل فيه الأطفال بالجملة. أما محمد بن سلمان، الذي يطمح إلى دخول نادي التطبيع، ففضل الاستعراض بمشاريع ترفيهية، على أن يرسل شاحنة طعام واحدة إلى غزة.
أما الملك عبد الله الثاني، الذي طالما صدّر نفسه مدافعًا عن القدس، فلم يفعل أكثر من تقديم مساعدات إسقاط جوي محدودة، استخدمها لتجميل صورته أمام الغرب، لا لإنقاذ الغزيين. لم نسمع دعوة واحدة منه لسحب السفراء أو تجميد العلاقات، بل استمر التنسيق الأمني، وسُجلت زيارة سرية لضباط إسرائيليين إلى عمان وفق تسريبات صحفية.
إن ما يجري اليوم في غزة ليس فقط مجزرة إسرائيلية ميدانية، بل فضيحة سياسية وإنسانية للأنظمة العربية التي اختارت الخيانة على الوقوف مع شعوبها. لا عذر لمن يملك القرار والسلطة والحدود، ويكتفي بالبيانات الخجولة والتمنيات الفارغة.
خاتمة: غزة تنزف والعالم يتفرج
حين تصف الأمم المتحدة غزة بأنها “أكثر الأماكن جوعًا على وجه الأرض”، فإنها لا تُطلق وصفًا مبالغًا فيه، بل تصف حقيقة تُشاهد بالعين المجردة: أطفال يموتون من الجوع، أمهات ينهارن تحت أنقاض البيوت، وشعب يُباد في ظل تواطؤ عربي ودولي غير مسبوق.
وإذا لم يتحرك العالم اليوم – شعوبًا ومؤسسات وقوى حية – فإن التاريخ سيكتب أن العالم بأسره شاهد جريمة إبادة ولم يمنعها، وأن الجوع في غزة كان وجهًا آخر من أوجه الاحتلال، وخنجرًا آخر في ظهر الكرامة العربية.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يهدد بضم الضفة وغور الأردن.. إسرائيل تواجه الاعتراف الدولي بفلسطين بالابتزاز السياسي