في خطوة تعكس تصاعد العدوانية السياسية للاحتلال الإسرائيلي، خرج وزير خارجية حكومة الاحتلال جدعون ساعر، بتهديد مباشر للدول الغربية التي تفكر في الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، معلنًا أن “أي خطوات أحادية ضد إسرائيل ستقابل بخطوات أحادية من قبلها”، في إشارة إلى نية حكومته فرض السيادة على مستوطنات الضفة الغربية وغور الأردن.
هذا التصريح الذي نقلته صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية، لا يعكس فقط تحديًا سافرًا للقانون الدولي، بل يكشف عن مدى استخفاف الاحتلال بالإجماع الدولي المتنامي لصالح حقوق الشعب الفلسطيني.

ابتزاز سياسي مفضوح
تهديدات ساعر لم تأتِ من فراغ، بل جاءت في ظل جهود دولية متصاعدة تقودها فرنسا والسعودية لعقد مؤتمر في نيويورك، منتصف يونيو/حزيران المقبل، بهدف حشد اعترافات جديدة بالدولة الفلسطينية. وتستعد دول أوروبية لاتخاذ هذه الخطوة، منها بريطانيا وفرنسا ومالطا، الأمر الذي دفع الاحتلال إلى شن حملة دبلوماسية مضادة، وصلت حد التهديد بالضم الرسمي لمناطق فلسطينية واسعة.
وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، فإن ساعر وجه تحذيرًا مباشرًا إلى هذه الدول، مؤكدًا أن اعترافها سيُقابل بضم إسرائيلي أحادي لمستوطنات الضفة وغور الأردن، في انتهاك صارخ لاتفاقيات أوسلو ولقرارات مجلس الأمن، خاصة القرار 2334 الصادر في 2016، والذي يرفض شرعنة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة عام 1967.
التهديدات الإسرائيلية، كما أوردت الصحيفة، تنم عن غطرسة استعمارية تستند إلى ضعف الرد الدولي، واستغلال الدعم الأميركي الذي -وإن امتنع عن المشاركة في المؤتمر الدولي المنتظر بنيويورك- لن يمارس ضغطًا حقيقيًا على الاحتلال. وتدرك إسرائيل جيدًا أن تجاهلها للقانون الدولي لا يكلّفها شيئًا طالما لم تُواجَه بإجراءات عملية، مثل العقوبات أو المقاطعة.
اعترافات دولية تتسارع.. وغضب إسرائيلي يتصاعد
أثار تسريب أنباء عن نية عدة دول الاعتراف بدولة فلسطين في 18 يونيو، استياءً عارمًا في أوساط الحكومة الإسرائيلية، لا سيما بعد اتهامها للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ”الخداع”، مدعية أنه وعد بعدم اتخاذ مثل هذه الخطوة دون تنسيق مسبق.
وفي الوقت نفسه، أكدت مصادر دبلوماسية أن ماكرون يسعى لقيادة جهد جماعي، بالتعاون مع السعودية، يهدف إلى إعطاء دفعة حاسمة لمسار حل الدولتين، خاصة في ظل فشل المسار الأميركي التقليدي.
ومن جهتها، أعلنت مالطا رسميًا أن رئيس وزرائها روبرت أبيلا سيعلن الاعتراف بالدولة الفلسطينية في يونيو.
وخلال خطاب له أمام حزب العمال المالطي، أشار أبيلا إلى أن “أكثر من 50 ألف شخص فقدوا حياتهم في غزة”، مؤكدًا أن “هذه المأساة الإنسانية لا يمكن التغاضي عنها”، ما يشير إلى أن فظاعة المجازر الإسرائيلية أصبحت دافعًا أخلاقيًا وسياسيًا للدول الأوروبية التي كانت مترددة في اتخاذ موقف واضح.
ومن الملاحظ أن زخم الاعتراف الدولي بفلسطين يتزايد بوتيرة غير مسبوقة، مع اعتراف 149 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة حتى الآن، وسط آمال فلسطينية بأن يشكّل مؤتمر نيويورك المقبل لحظة مفصلية على طريق الاعتراف الكامل.
من منطق الاحتلال إلى منطق التهديد
الرد الإسرائيلي على هذا الزخم الدولي، كما عبر عنه جدعون ساعر، لا يعبّر عن دولة ديمقراطية تدّعي احترام القانون، بل عن عقلية استعمارية ترفض الانصياع لإرادة المجتمع الدولي، وتختار التصعيد بدلًا من الحلول السلمية.
فبدلًا من مراجعة سياساتها الاستيطانية والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، اختارت إسرائيل التهديد بضم المستوطنات، وتوسيع رقعة الاحتلال على الأرض، في محاولة لفرض أمر واقع جديد يمنع أي فرصة مستقبلية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
هذا التهديد ليس بجديد، لكنه اليوم أكثر وقاحة وعلانية، ويأتي في ظل حكومة إسرائيلية تُعد من أكثر الحكومات تطرفًا في تاريخ الدولة العبرية، حيث تهيمن على مفاصلها شخصيات استيطانية متطرفة، ترى في “أرض إسرائيل الكبرى” مشروعًا دينيًا وقوميًا، وليس مجرد سياسة أمنية.
وإذا ما أقدمت إسرائيل على هذه الخطوة فعليًا، فإنها ستقوّض نهائيًا ما تبقى من اتفاقيات أوسلو، وتفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد والعنف، وتنسف أي جهود دولية لإعادة إحياء مسار السلام.
المجتمع الدولي على المحك
تُشكل التهديدات الإسرائيلية اختبارًا حقيقيًا لجدية المجتمع الدولي، الذي يكتفي في العادة ببيانات الشجب دون اتخاذ إجراءات فعلية.
وإذا كانت دول مثل فرنسا ومالطا وبريطانيا تفكر في الاعتراف بفلسطين، فعليها أن تضع في اعتبارها أن الرد الوحيد الذي تفهمه إسرائيل هو الرد العملي: دعم المحكمة الجنائية الدولية، فرض عقوبات على الاستيطان، ومقاطعة منتجات المستوطنات، وسحب الاستثمارات من الشركات المتورطة في الاحتلال.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية لم يعد مجرد خطوة رمزية، بل ضرورة أخلاقية وسياسية لكبح جماح التمدد الإسرائيلي، ورفض منطق الغطرسة والضم القسري. وفي مواجهة حكومة تهدد بابتلاع ما تبقى من الأرض الفلسطينية، فإن الصمت الدولي لم يعد خيارًا.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يستهدف المنظومة الطبية في غزة.. 10 مستشفيات وعيادات تتعرض لهجمات خلال أسبوع