خارطة نفوذ تُرسم تحت غبار الإعمار

ما إن هدأت أصوات المدافع، حتى بدأت معركة أخرى أكثر هدوءًا وأشدّ دهاءً: معركة الإمساك بمفاتيح «اليوم التالي» في غزة. خلف عناوين الإغاثة والإعمار، يجري هندسة واقع سياسي–أمني جديد تُديره عواصم إقليمية بالتفاهم مع واشنطن وتل أبيب، عنوانه العريض: تحييد المقاومة، وتجزئة السلطة، وتحويل غزة إلى رقع نفوذ محلية.

 في قلب هذا المشهد، تتقدّم الإمارات كلاعب يسعى إلى إدارة الملف من الخلف عبر المال والشبكات، فيما تتحرّك السعودية عبر بوابة واشنطن لتسويق «تطبيع مشروط» مقابل رزمة ضمانات، مع بقاء التنافس بينهما على من يمسك بالخيوط الدقيقة للقرار الفلسطيني.

هذه ليست قصّة إعمار وحسب؛ إنها خطّة لإعادة تعريف من يملك كلمة السرّ في غزة: من يتحكم في المسار الانتقالي للسيطرة مستقبلا ، من يضبط حركة القوة الدولية، ومن يمنح «حق المرور» للمال والاستثمارات.

الإمارات… الوكيل الأخطر في معركة «اليوم التالي»

تتصرّف أبوظبي كمقاول سياسي–أمني: تتراجع علنًا عن إرسال قوّات إلى قوة متعددة الجنسيات لتتفادى كلفة الخسارة البشرية وصورة «القتال بالوكالة»، لكنها تتقدّم عبر ثلاثة مسارات أكثر تأثيرًا وأقل ضجيجًا:

  1. مسار التمويل المشروط: ربط حزم الإعمار بإطار «نزع السلاح» وإعادة تشكيل الحكم المحلي بإقصاء المقاومة من المشهد بشكل كامل.
  2. مسار الإدارة من الخلف: الاستمرار في دعم الميليشيات العميلة والعمل تحت مظلة الاغاثة الانسانية مع تغطيه إعلامية لتسويق الصورة الإنسانية لأجندات أبو ظبي الخفيه.
  3. مسار حرب الصورة الخارجية: الدفع بسردية تُجرّم المقاومة خارج ساحتها الطبيعية. هنا تحديدًا تتقاطع أبوظبي مع المطبخ الاستخباري والإعلامي الغربي: حملة «خلية حماس في أوروبا» مثال دالّ على رواية تُبنى بتسريبات متزامنة، عناوين جاهزة، وأخطاء تحريرية تكشف العجلة، تُفضي إلى نتيجة واحدة: شيطنة المقاومة في الوعي الأوروبي ووصم الفضاء المدني الفلسطيني–الإسلامي كحاضنة خطره.

علي سبيل المثال في 17 أكتوبر 2025 استُخدم نقاش في مجلس الشيوخ الإيرلندي حول إغلاق المركز الثقافي الإسلامي في دبلن ليُقدّم كمثال على «بصمات تمويلية» تربط بعض المراكز بنفوذ الإخوان، وقد بدى أن من قاد هذا التحرك هو الإمارات عبر اللوبي التابع لها والذي لم يخف احتفائه عبر أذرعه الإعلامية معتبرا هذا انتصارا كبيرا، ويعد هذا جزء من المشروع الإماراتي الذي يرى الساحة فرصة لتعزيز أجندتها الأمنيّة–السياسية في أوروبا.

المشهد تبلور خلال الأسابيع التالية بصيغ أدقّ؛ أواخر أكتوبر 2025 نشر الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله تغريدات مرحّبة بما سُمّي «الصحوة الأوروبية» ضد نفوذ الإخوان، وفي 10 نوفمبر 2025 كرّر الدبلوماسي الإماراتي —  أنور قرقاش — الخط ذاته أمام صحيفة ألمانية، داعيًا أوروبا إلى «التصدي لتصدير أيديولوجية الإخوان»؛ وفي 11 نوفمبر 2025 أكّد ضاحي خلفان عبر منصة «إكس» مخاوف أبوظبي من منح ملاذ لقادة الجماعة في بريطانيا.

هذه التصريحات لم تكن فارغة بل تزامنت مع موجة إجراءات، وإجراءات إدارية تجاه جمعيات ومراكز إسلامية في دول أوروبية، خصوصًا ملفات متعلقة بالنمسا، ما يؤكد بأن الخطة لا تقتصر على كلام وتشجيع بل تمتد إلى ضغوط تشغيلية وقانونية.

 السعودية… دبلوماسية «التطبيع المشروط» والبحث عن تفويض

في مواجهة هذا التموضع الإماراتي، تتحرّك الرياض بخيارات مختلفة في الشكل، متشابهة في الجوهر:

  • واجهة واشنطن: زيارة مرتقبة، رسائل «استعداد للحوار» مع إسرائيل بشرط مسار «تمكين حكم فلسطيني» في غزة والضفة. العائد المطلوب: حزمة أمريكية (تسليح متقدّم، تعاون نووي مدني، ضمانات وحماية أمنية للنظام السعودي).

  • اشتراطات سياسية: نزع سلاح المقاومة – وإعادة تقديم السلطة الفلسطينية بعد «إصلاحات»، بما يعيد الاعتراف بها كعنوان الحكم.

  • هندسة شرعية عربية: تريد المملكة لعب دور «الراعي السياسي» صاحب النفوذ، الذي يُعطي الغطاء العربي، ويمنع تحوّل الإعمار إلى ملعب منفرد لقطر–تركيا، ويُبقي أبوظبي والقاهرة تحت سقف «الإيقاع السعودي».

الاختلاف السعودي مع الإمارات أن الرياض تفضّل شرعية عربية عبر واشنطن، وتحاول تفادي صورة «الوكيل العسكري»، لكنها في النهاية تلتقي مع أبوظبي عند عقدة تحييد المقاومة، ولو مسلخة من سياقها وحقوقها. وبقدر ما تُساوم على «تطبيع مشروط»، بقدر ما تُبقي الورقة الفلسطينية أداة تفاوض لا غاية سياسية للفلسطينيين أنفسهم.

بين التنسيق والصراع… لماذا يتنافسان وهما متوافقان؟

  • السؤال مشروع: إن كانت أبوظبي والرياض تتلاقيان على إخراج المقاومة من الشرعية، فلماذا يتنافسان؟ لأن من يمسك بغزة الغد يمسك بمفتاح إقليمي ثقيل:
  • وزن تفاوضي أمام واشنطن وتل أبيب.
  • نفوذ على خطوط البحر الأحمر والممرّات.
  • ورقة ضغط في ملفات إيران واليمن والقرن الأفريقي
  • القضاء على أي دور تركي قطري حاضرا ومستقبلا
  • تحجيم الدور المصري الذي يعتبر قطاع غزه من أبجديات الأمن القومي المصري.

لذلك ترى الإمارات أن شبكات المال والإدارة تمنحها اليد العليا سريعًا، فيما ترى السعودية أن المقايضة السياسية الكبرى عبر واشنطن تؤسس لشرعية أوسع. هذا التزاحم يُترجم إلى تسريبات متقاطعة، وتسابق على «التنسيق الميداني» مع الفصائل والميليشيات الصغيرة التي أسسها الاحتلال وقت الحرب، ومحاولات حيازة صفة «الضامن» أمام القوة الدولية.

 واشنطن وتل أبيب… إدارة اللعبة من خلف الستار

الولايات المتحدة تُشجّع «التنافس المنضبط» بين الرياض وأبوظبي لضمان تدفق مالٍ عربي على مسار إعمار مضبوط أمنيًا، بينما تُواصل إسرائيل سياسة معروفة: تفادي أي التزام سياسي (تمكين فعلي للسلطة، مسار دولة)، مقابل قبول «إدارة أمنية–خدمية» تُجمد الانفجار لا تُنهي أسبابه.

تل أبيب لا تُسلّم مفاتيح القطاع لأحد؛ إنها تُجزّئها، وتُدخل كلّ لاعب من باب: الإمارات لوجستيات وتمويل، السعودية غطاء عربي–أمريكي، والقوة الدولية لتدوير كلفة الأمن… وما بقي من السياسة يُترك معلّقًا.

الخلاصة

 في الواقع الميداني، هناك اتفاق وقف إطلاق نار هش، خروقات إسرائيلية يومية، سيطرة الاحتلال على 54% من الأرض ، ميليشيات عميلة تعمل بدعم إماراتي تحت حماية الاحتلال، في المقابل فصائل مقاومة يدها على الزناد مدعومة بشكل واسع من الناس وفق آخر استطلاع رأي رغم افتقارها إلى الظهير العربي والإسلامي، مثقلة بجراح الإبادة عاجزة عن توفير الحد الادنى من الغذاء والدواء بفعل الحصار.

راهن الاحتلال وداعميه على الانفلات والفوضى حال وقف إطلاق النار لكن سرعان ما أسقط بأيديهم وأظهر الناس وفاءا للمقاومة فانهارت الميليشيات العميلة سريعا وتم تفكيكها في أماكن سيطرة المقاومة واندحرت فلولها إلى ما وراء الخط الأصفر حيث يسيطر الاحتلال.

الانتقال إلى المرحلة التالية رغم ما تحمله من محاذير كثيره مطلب فلسطيني جامع يحتاج إلى وحدة موقف عربي وإسلامي يتصدى لأطماع إسرائيل ويكبح جماح نتنياهو في رغبته الشديدة  العودة إلى الحرب بعد استلامه الأسرى الأحياء، لكن وحدة هذا الموقف تكاد تكون بعيدة المنال في ظل تماهي الموقف السعودي الإماراتي مع اجندات نتنياهو ، لا يهم هؤلاء ما يعانيه الناس من كارثه انسانيه بعد الحرب همهم الوحيد نزع سلاح المقاومة والقضاء عليها وتقاسم النفوذ والحصول على حصة من الغنائم التي خلفتها حرب الإبادة، ومفتاح هذا منع تركيا وقطر من التحكم في مسار المرحلة التالية فهم خلف الابواب المغلقة يعملون ليل نهار على تقويض الجهود القطرية التركية للانتقال إلى المرحلة التالية بشكل  يطمئن الناس على مصيرهم ومصير القطاع ويسرع من حالة التعافي وإعادة الإعمار ويضمن في نهاية المطاف حلا عادلا لمجمل القضية الفلسطينية يتوج بإقامة دولة فلسطينية على كامل التراب الوطني وفق قرارات الشرعية الدولية.

 حكام السعوديه و الإمارات الذين لم يكترثوا للأهوال التي عايشها الناس طوال حرب الاباده ولم يقوموا باي خطوات عمليه للتخفيف من وطأة الاباده بل على العكس مدوا جسور التعاون الامني والعسكري والاقتصادي سرا وعلنا مع الاحتلال ، لن تكون وجهتهم في هذه المرحله الدفع بجهود مخلصه لانتشال القطاع مما خلفته حرب الاباده إلا بما يخدم اجنداتهم المرسومه سلفا، وهذا الحال يقتضي تحرك تركي قطري مصري مدعوم من دول عربيه واسلاميه وأطراف دوليه لإيجاد اليه تتوج بقرار من مجلس الامن ببنود واضحه تجعل مفاتيح الحكم و الإعمار والتعافي بأيدي فلسطينيه والاهم ايجاد آلية حوار مع فصائل المقاومه لوضع السلاح بما يحفظ كرامة وأمن وسلامة المقاتلين.