عقدت لجنة إدارة غزة، الجمعة، أول اجتماع رسمي لها في العاصمة المصرية القاهرة، معلنة انطلاق عملها والتحضير للنزول إلى القطاع لمباشرة مهامها، وعلى رأسها ملفا الإغاثة العاجلة وإعادة الإعمار. الاجتماع، الذي جرى بعيدًا عن غزة وتحت مظلة إقليمية ودولية، لم يكن حدثًا إداريًا عابرًا، بل مثّل – في نظر كثيرين – حلقة جديدة في مسار سياسي يسعى لإعادة تشكيل إدارة القطاع بعد حرب إبادة مدمّرة شنتها دولة الاحتلال بدعم أمريكي منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، واستمرت نحو عامين، مخلفة كارثة إنسانية غير مسبوقة.

اللجنة، المؤلفة من 15 شخصية، شغل معظم أعضائها مناصب سابقة في السلطة الفلسطينية، تأتي ضمن مخرجات خطة أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإدارة غزة في “اليوم التالي للحرب”. وبعيدًا عن العناوين الإنسانية التي رُوّج لها، يرى مراقبون أن هذه الصيغة تمثل محاولة لإعادة هندسة الحكم في غزة خارج الإرادة الشعبية الفلسطينية، وبعيدًا عن قوى المقاومة التي واجهت الاحتلال ودفعت أثمانًا باهظة خلال العدوان.

شخصيات مثيرة للجدل… ورسائل سياسية واضحة

أبرز الأسماء المثيرة للجدل داخل اللجنة هو سامي نسمان، المكلف بملف الأمن. نسمان، المولود في مخيم الشاطئ بغزة، ضابط سابق في جهاز المخابرات العامة الفلسطينية برتبة لواء، غادر القطاع إلى رام الله بعد سيطرة حركة حماس عام 2007. تاريخ الرجل الأمني، وفق مصادر فلسطينية، ارتبط بملاحقة نشطاء حركتي حماس والجهاد الإسلامي خلال التسعينيات وبدايات الألفية، واتهامه بالضلوع في حملات اعتقال واغتيالات بحق مقاومين، وهي اتهامات ينفيها.

لاحقًا، اتهمته حركة حماس بإدارة شبكات لإثارة الفوضى في غزة من رام الله، وصدر بحقه عام 2016 حكم غيابي بالسجن 15 عامًا من القضاء الذي تديره حماس، بتهمة تجنيد عناصر أمنية سابقة لتنفيذ مخططات تخريبية. وجود شخصية بهذه الخلفية على رأس ملف أمني في غزة، يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الدور المنوط باللجنة، وهل هو حفظ الأمن المجتمعي أم ضبط القطاع أمنيًا لصالح ترتيبات سياسية أكبر.

في ملف الشؤون الدينية، يبرز اسم رامي حلس، الذي أثار جدلًا واسعًا بعد وصفه عملية “طوفان الأقصى” بأنها “الطوفان المزعوم” الذي أغرق غزة في الدمار. حلس أعلن عزمه “محاربة التطرف” ونشر “المنهج الوسطي”، في خطاب ينسجم إلى حد بعيد مع اللغة الأمريكية – الإسرائيلية التي تُحمّل المقاومة مسؤولية الكارثة، متجاهلة جذور الصراع وواقع الاحتلال.

تمثيل اجتماعي… لكن ضمن إطار مُحدَّد

على صعيد الشؤون الاجتماعية وشؤون المرأة، تم تعيين هناء الترزي، وهي محامية وناشطة مجتمعية مسيحية، تنشط في قضايا المرأة والحماية الاجتماعية. ورغم أهمية تمثيل المرأة والأقليات الدينية، إلا أن إدراج هذه الملفات ضمن لجنة ذات طابع سياسي – أمني أوسع، يثير مخاوف من توظيف البعد المجتمعي كواجهة ناعمة لمشروع سياسي أكبر.

أما ملف الأراضي والإسكان، فأُسند إلى أسامة السعداوي، الوزير السابق في حكومة محمد اشتية، المعروف بخبرته في التنمية والتمكين. هذا الملف يُعد من أخطر الملفات في مرحلة ما بعد الحرب، نظرًا لارتباطه بإعادة الإعمار، وحقوق الملكية، ومنع أي مخططات لإعادة هندسة الديمغرافيا أو فرض وقائع جديدة على الأرض.

من لجنة إدارة إلى «مندوب سامٍ»

الأخطر من تشكيل اللجنة نفسها، هو ما تزامن معها من إعلان أمريكي عن تشكيل ما سُمي بـ“مجلس السلام”، ومنح رئيسه صفة “المندوب السامي لغزة”، في استعارة فجّة لمصطلحات الانتداب الاستعماري. المجلس، الذي يضم شخصيات أمريكية بالكامل، إلى جانب توني بلير سيئ السمعة فلسطينيًا وعربيًا، يعكس – وفق قراءات فلسطينية – انتقال واشنطن من دور الداعم السياسي والعسكري للاحتلال إلى دور الحاكم الفعلي بالوكالة.

وفي السياق ذاته، أعلن البيت الأبيض تعيين نيكولاي ملادينوف ممثلًا ساميًا لقطاع غزة، في خطوة تعزز مخاوف “الانتداب الأمريكي” المقنّع. ورغم تقديم هذه الترتيبات كحل إداري مؤقت، إلا أن التجربة الفلسطينية التاريخية مع “الوصاية الدولية” و”الإدارة الانتقالية” تجعل الشارع الفلسطيني ينظر إليها بريبة شديدة.

غزة ترفض الاحتلال… وسترفض الانتداب

في المحصلة، تبدو لجنة إدارة غزة جزءًا من محاولة أوسع لإعادة إنتاج السيطرة على القطاع، هذه المرة بأدوات مدنية وتكنوقراطية، بدل الدبابات والطائرات. غير أن غزة، التي لم تقبل الاحتلال العسكري المباشر، ولم تنكسر تحت حرب الإبادة، يُستبعد أن تقبل بانتداب أمريكي جديد، مهما تغيّرت مسمياته أو تجمّلت واجهاته.

المعركة على غزة لم تنتهِ عند وقف إطلاق النار، بل انتقلت إلى ساحة السياسة والإدارة والشرعية. وبينما تُطرح لجان ومجالس ومندوبون ساميون، يبقى السؤال الجوهري: هل يُعاد إعمار غزة بإرادة أهلها، أم تُدار كملف أمني – إنساني تحت الوصاية؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.

اقرأ أيضًا : حلب.. انشقاقات داخل «قسد» ونزوح مدنيين باتجاه منبج