لم تعد الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في غزة مجرد إحصاءات، بل أصبحت شهادات موثقة على حرب إبادة ممنهجة يخوضها الاحتلال الإسرائيلي ضد أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين داخل قطاع غزة. 

ففي أحدث حصيلة رسمية، أعلنت الوزارة أن عدد الشهداء منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023، قد بلغ 52,567 شهيدًا، فيما وصل عدد المصابين إلى 118,610 جريحًا، وسط تحذيرات من ارتفاع العدد مع استمرار انتشال الضحايا من تحت الأنقاض.

وأشارت الوزارة إلى أن الساعات الأربع والعشرين الماضية وحدها شهدت سقوط 32 شهيدًا، بينهم 9 شهداء تم انتشالهم من تحت الركام، بالإضافة إلى 119 جريحًا. 

ولا تزال طواقم الإسعاف والدفاع المدني تواجه صعوبات هائلة في الوصول إلى الضحايا، بسبب استمرار القصف والانهيار التام في البنية التحتية، لا سيما الطرق المؤدية إلى المستشفيات ومناطق الإغاثة.

وتبرز هذه الأرقام صدمة إضافية عندما نعلم أن الاحتلال استأنف عملياته الوحشية منذ 18 مارس الماضي بعد توقف قصير إثر اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت، ليضيف خلال أقل من شهرين فقط 2,459 شهيدًا و6,569 جريحًا إلى سجل جرائمه.

أطفال غزة.. بين المجاعة والقصف وغياب العلاج

في موازاة القتل المباشر بالقصف، تشن إسرائيل حرب إبادة صامتة من نوع آخر عبر الحصار والتجويع المتعمد، وهو ما دفع وزارة الصحة في غزة لإطلاق حملة بعنوان “الحملة العالمية للتضامن مع أطفال غزة”، في محاولة للفت أنظار العالم إلى الكارثة الإنسانية المتصاعدة.

وبحسب الوزارة، فإن 16,278 طفلًا استشهدوا منذ بدء العدوان، بمعدل طفل واحد يُقتل كل 40 دقيقة. بل إن بعض الأطفال لم يمهلهم الاحتلال فرصة الحياة، إذ قتل 311 طفلًا ولدوا في زمن الحرب قبل أن يكملوا أيامهم الأولى. 

كما أدى تدمير أكثر من 80% من مراكز الرعاية الصحية إلى حرمان مئات الآلاف من الأطفال والنساء الحوامل من أبسط حقوقهم الصحية، في ظل تفشي الأمراض وسوء التغذية والجفاف.

وتحذر الوزارة من أن أكثر من 2 مليون فلسطيني يواجهون خطر المجاعة بسبب إغلاق الاحتلال للمعابر، ومنع إدخال المواد الغذائية والمياه والأدوية، في سياسة متعمدة تستهدف تركيع الشعب الفلسطيني عبر أدوات التجويع والمرض، وهو ما يرقى وفق خبراء القانون الدولي إلى جريمة إبادة جماعية موثقة.

العجز العربي.. تواطؤ الأنظمة وسقوط القيم

وبينما تستمر آلة القتل الإسرائيلية في قصف المنازل والمدارس والمستشفيات، يغيب الدعم الرسمي العربي، بل ويذهب بعض الحكام إلى ما هو أسوأ من الصمت، عبر تواطؤ صريح أو ضمني، تُرجم في بعض المواقف الرسمية التي ساوت بين الجلاد والضحية، أو سعت للتغطية على جرائم الاحتلال عبر الترويج لمبادرات فارغة تعيد إنتاج “السلام الاقتصادي” المزعوم على جثث الأطفال في غزة.

تُظهر مواقف الأنظمة العربية هشاشة غير مسبوقة أمام حجم الكارثة، إذ لم يخرج أي قرار حاسم من جامعة الدول العربية، ولم نشهد حتى الآن تحركًا جماعيًا فاعلًا في محافل القانون الدولي لمحاكمة الاحتلال على جرائمه. 

بل إن بعض الدول العربية تواصل استقبال المسؤولين الإسرائيليين، وتستمر في صفقات التطبيع رغم المجازر اليومية، في مشهد يعكس انهيارًا أخلاقيًا وسياسيًا كاملًا.

إن خيانة الحكام العرب لدماء الفلسطينيين لم تعد تقتصر على الصمت، بل امتدت إلى حصار مزدوج يشارك فيه البعض من خلال إغلاق المعابر أو التنسيق الأمني أو الضغط على المقاومة، لتصبح الحرب على غزة ليست فقط حربًا إسرائيلية، بل حربًا مشتركة تنفذها قوى الاحتلال والصمت والتواطؤ مجتمعة.

خاتمة: غزة تقاتل وحدها.. والعالم مطالب بالتحرك

إن المشهد في غزة اليوم يمثل وصمة عار على جبين الإنسانية، وعلى كل المؤسسات الدولية التي صمتت عن أكبر جريمة إبادة مستمرة في القرن الواحد والعشرين. 

ومع عجز المنظومة الدولية وتواطؤ الأنظمة العربية، تبقى أصوات الشعوب الحرة، والنشطاء، والإعلاميين، والمنظمات الشعبية حول العالم، هي الأمل الوحيد في الضغط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

غزة لا تطلب المستحيل، بل تطلب وقف القتل، كسر الحصار، وتأمين الغذاء والدواء للأطفال والنساء.

لكن في المقابل، فإن ما يحدث اليوم يعكس أن الاحتلال قد وجد فرصة ذهبية للاستمرار في جرائمه، في ظل انشغال العالم، وتآمر البعض، وغياب العدالة.

اقرأ أيضًا :” بينهم أطفال.. مجزرة إسرائيلية جديدة بغزة وسط صمت عربي مطبق