شهدت العاصمة البريطانية لندن وقفة احتجاجية لافتة أمام السفارة المصرية، رفع خلالها المشاركون شعارًا مؤثرًا: “غزة ورابعة.. ألم واحد ومجرم مشترك”.
هذا الشعار لم يكن مجرد كلمات عابرة، بل محاولة لربط جرحين مفتوحين في الوعي العربي: مجزرة رابعة في مصر عام 2013، والعدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، حيث يرى المحتجون أن المستبدّ واحد، والجرائم تتقاطع عند أنظمة تواطأت على قتل شعوبها أو حصارها.

رابعة والذاكرة الدامية
تأتي الإشارة إلى رابعة العدوية لتذكّر بواحدة من أبشع المجازر التي ارتكبها النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي. ففي 14 أغسطس 2013، اقتحمت قوات الأمن المصرية ميدان رابعة لفض اعتصام الآلاف الرافضين للانقلاب العسكري. وسقط حينها ما يقارب الألف قتيل في ساعات قليلة، وسط قمع دموي لم ينجُ منه حتى الأطباء والمسعفون. بالنسبة للمحتجين أمام السفارة، هذه المجزرة لم تنتهِ فصولها بعد، إذ لا يزال مرتكبوها بمنأى عن المحاسبة، بل يتصدرون المشهد السياسي في القاهرة.
ويؤكد المتظاهرون أن تلك الجرائم لم تكن سوى مقدمة لمسار استبدادي أرسى نظامًا يحكم بالقبضة الأمنية، ويستخدم القتل والاعتقال كأدوات لإسكات أي معارضة. من هنا، لم يكن غريبًا أن يربط المحتجون بين ما جرى في رابعة وما يحدث اليوم في غزة، باعتبار أن القمع الداخلي والتحالف الخارجي وجهان لعملة واحدة.
غزة والعدوان المتواصل
أما في غزة، فيرى المشاركون أن الجريمة ما زالت تُرتكب يوميًا منذ 7 أكتوبر 2023، حين أطلق الاحتلال الإسرائيلي عدوانًا شاملًا على القطاع. المجازر بحق المدنيين، سياسة التجويع، تدمير البنية التحتية، واستهداف الطواقم الطبية، كلها تحولت إلى عناوين يومية لأخبار قاسية.
ورغم حجم الكارثة، يتهم المحتجون النظام المصري بأنه يلعب دورًا سلبيًا خطيرًا عبر إغلاق معبر رفح، ومنع دخول المساعدات الإنسانية إلا بقدر محدود، بما يجعل القاهرة شريكًا موضوعيًا في سياسة الخنق التي تمارسها “إسرائيل”. بالنسبة لهم، استمرار إغلاق المعبر يعني مساهمة مباشرة في مأساة مليوني فلسطيني، تمامًا كما ساهم القمع الدموي في مأساة آلاف المصريين في رابعة.
احتجاجات متصاعدة ضد السفارات المصرية
هذه الوقفة في لندن ليست حدثًا منفردًا. فقد سبقها سلسلة من التحركات أمام السفارات المصرية في أوروبا.
- في أواخر يوليو الماضي، أغلق محتجون مقر السفارة المصرية في لندن احتجاجًا على استمرار إغلاق معبر رفح.
- في بداية أغسطس، تكرر المشهد أمام السفارة المصرية في لاهاي بهولندا، حيث أقدم الناشط أنس حبيب على إغلاق أبوابها بأقفال حديدية في خطوة رمزية قوية.
- وفي عواصم أخرى، تحركت مجموعات من الجاليات العربية والحقوقيين لفضح الدور المصري في الحصار، معتبرين أن القاهرة باتت جزءًا من معادلة العقاب الجماعي ضد غزة.
هذه الأفعال الاحتجاجية، وإن بدت رمزية، إلا أنها أعادت إلى الواجهة النقاش حول دور مصر الإقليمي، ومدى استعدادها للاستجابة للضغط الشعبي في الداخل والخارج.
“مجرم مشترك”.. سردية سياسية جديدة
شعار “غزة ورابعة.. ألم واحد ومجرم مشترك” يطرح سردية جديدة تربط بين قضايا الداخل المصري والسياسات الخارجية. إذ يرى النشطاء أن المستبد الذي قتل المعتصمين في القاهرة هو نفسه الذي يغلق بوابة غزة في رفح، مانعًا الغذاء والدواء عن أهلها. هذه المقارنة تُعيد صياغة خطاب المعارضة المصرية في الخارج، وتمنحه بُعدًا تضامنيًا مع القضية الفلسطينية، بدل أن يبقى محصورًا في شؤون الداخل.
كما أن هذا الربط يُحرج النظام المصري على مستويين:
- داخليًا، لأنه يذكّر بجرائمه في رابعة التي يحاول محوها من الذاكرة.
- خارجيًا، لأنه يضعه في خانة التواطؤ مع “إسرائيل” في وقت يشتد فيه الغضب الدولي من المجازر في غزة.
الضغط الشعبي في الخارج وتأثيره
قد يبدو الضغط الشعبي في الخارج محدود التأثير على الأنظمة الاستبدادية، لكنه يحمل أبعادًا مهمة:
- أولًا، يفضح صورة النظام المصري أمام الرأي العام الغربي، حيث لا يستطيع تجاهل الانتقادات الحقوقية.
- ثانيًا، يعيد ربط القضية الفلسطينية بالربيع العربي، مذكّرًا بأن معركة الحرية واحدة.
- ثالثًا، يوفر منصة لجمع الشتات العربي والإسلامي في أوروبا ضمن جبهة موحدة ضد الاستبداد والاحتلال.
ومع تصاعد هذه التحركات، يتساءل كثيرون إن كانت ستدفع القاهرة لتغيير سياستها تجاه معبر رفح، خاصة مع ضغط منظمات حقوقية دولية باتت تعتبر إغلاقه جريمة إنسانية.
خاتمة: وجع مشترك وصوت واحد
الوقفة أمام السفارة المصرية في لندن لم تكن مجرد احتجاج عابر، بل إعلان عن تلاقي الجراح بين غزة ورابعة، وعن وعي جديد يرى أن الاستبداد المحلي والتحالف مع الاحتلال يشكلان شبكة واحدة من القمع.
المحتجون أوصلوا رسالتهم: لا يمكن الحديث عن دعم فلسطين بينما يُترك معبر رفح مغلقًا، ولا يمكن الحديث عن “استقرار داخلي” بينما دماء رابعة ما زالت تصرخ.
وهكذا، فإن “الألم الواحد والمجرم المشترك” لم يعد شعارًا فقط، بل أصبح إطارًا لفهم متجدد يجمع بين نضالات الشعوب ضد القمع والاستعمار، من القاهرة إلى غزة، ومن لندن إلى لاهاي.
اقرأ أيضًا : أمريكا توقف تأشيرات الزيارة للفلسطينيين القادمين من غزة: خطوة عقابية جديدة