في مشهد بدا تعبيرًا قويًا عن الرفض الشعبي لأي تدخل خارجي، خرج آلاف السوريين في مدن عدة مساء أمس الأربعاء، للتنديد بالعدوان الإسرائيلي الذي استهدف العاصمة دمشق ومدنًا أخرى في البلاد، وللتعبير عن دعمهم للدولة السورية ووحدة أراضيها. 

الغارات الجوية الإسرائيلية، التي أصابت مناطق حساسة كمحيط القصر الرئاسي ومبنى هيئة الأركان، فجّرت موجة غضب دفعت قطاعات واسعة من المواطنين للنزول إلى الشارع، حاملين شعارات تؤكد التلاحم الوطني، وترفض الاستغلال الخارجي للأزمات الداخلية.

مظاهرات واسعة من الشمال إلى الجنوب.. سوريا تُوحّدها الغارات

شهدت مدن سورية عديدة -من دمشق إلى اللاذقية، ومن إدلب إلى حلب وحماة- مظاهرات شعبية غاضبة، هي الأولى من نوعها منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي. ففي العاصمة دمشق، خرج المتظاهرون تنديدًا بالغارات الجوية الإسرائيلية التي طالت مواقع سيادية. ورفع المشاركون لافتات كتب عليها “لا للعدوان الإسرائيلي” و”نعم للوحدة الوطنية”، في رسالة مزدوجة ترفض العدوان وتؤكد على دعمهم الكامل للمؤسسات العسكرية والأمنية السورية.

في مدينة اللاذقية، عبّر المتظاهرون عن إدانتهم الشديدة للهجمات، ونددوا بمحاولات الاحتلال الإسرائيلي فرض معادلات جديدة على الساحة السورية، تحت غطاء “حماية الدروز” أو “منع الفوضى”. وفي حماة، احتشد المتظاهرون في ساحة العاصي، مرددين شعارات مثل: “جيشنا درع الوطن”، و”لا للطائفية، نعم للتعايش السلمي”، وهو ما يعكس حرص السوريين على إفشال محاولات زرع الفتن الطائفية التي طالما استغلها الاحتلال لتبرير تدخله.

أما في إدلب، رغم التعقيدات الأمنية والسياسية، فقد خرجت تظاهرات غاضبة ترفض الاعتداءات الإسرائيلية، وسط دعوات لتعزيز الاصطفاف الشعبي خلف الجيش السوري في جهوده لاستعادة السيطرة على كافة المناطق. كما شهدت ساحة سعد الله الجابري في حلب تظاهرة حاشدة رفعت فيها شعارات مناهضة للتدخل الأجنبي.

الاحتلال يعيد إنتاج استراتيجيته العدوانية بزعم “حماية الأقليات”

الغارات الإسرائيلية الأخيرة ليست الأولى، لكنها تمثل تطورًا لافتًا في حجم الأهداف ونوعيتها، حيث استهدفت هذه المرة قلب العاصمة دمشق، بما في ذلك محيط القصر الرئاسي وهيئة الأركان، وهو ما أسفر عن مقتل 3 مدنيين وإصابة 28 آخرين. كما شملت الضربات مدن درعا وقطنا ومحيط طريق دمشق-درعا الدولي.

وبررت إسرائيل غاراتها هذه، كما في مرات سابقة، بأنها “دفاعية” وتهدف لحماية الأقليات، وعلى رأسها الطائفة الدرزية في السويداء. غير أن الشعب السوري رأى في هذا التبرير محاولة مكشوفة لإضفاء الشرعية على عدوان سافر، يسعى لتقسيم البلاد تحت يافطة “الأمن الإقليمي” و”منع تهديدات مستقبلية”.

وتشير هذه الاستراتيجية إلى توجه إسرائيلي مستمر منذ ما بعد سقوط نظام الأسد، يقوم على سياسة “الهجمات المتكررة لفرض قواعد اشتباك جديدة” في جنوب سوريا، خاصة بعد انهيار النظام الأمني المركزي ووجود مناطق خارجة عن السيطرة.

رفض شعبي واسع للغطرسة الإسرائيلية وتضامن مع السويداء

الهجمات الإسرائيلية أثارت استياءً شعبيًا عارمًا لم يقتصر على رفض الاعتداءات بحد ذاتها، بل شمل أيضًا الاستنكار لطريقة تعاطي الاحتلال مع الوضع الداخلي السوري. ففي وقت تشهد فيه محافظة السويداء اشتباكات بين قوات الجيش السوري ومجموعات مسلحة، حاول الاحتلال استثمار التوتر الطائفي وادّعى تدخله لـ”حماية الدروز”.

لكن اللافت في المظاهرات كان الإجماع على رفض هذا الخطاب، حيث اعتبر المتظاهرون في دمشق واللاذقية وحماة أن “الدروز إخوة في الوطن، وليسوا ورقة بيد تل أبيب”، وشددوا على أن “وحدة الشعب السوري هي السبيل الوحيد لمواجهة كل أشكال العدوان”.

كما رفعت في معظم المظاهرات لافتات تعلن بوضوح أن السوريين ضد كل من يسعى لتقسيم البلاد، سواء عبر السلاح أو عبر التدخلات السياسية. وتمسك المشاركون برسالة وطنية جامعة تقول: “سوريا لكل السوريين.. لا للطائفية، لا للاحتلال، لا للخارجين عن القانون”.

هل يُعيد الغضب الشعبي رسم خريطة التوازنات؟

تشير هذه الموجة من الاحتجاجات إلى أن الشارع السوري -رغم الانقسام والتحديات الأمنية- لا يزال قادرًا على التعبير عن موقف وطني موحد تجاه الاعتداءات الخارجية. فرسالة المتظاهرين كانت واضحة: لا شرعية لأي عدوان، ولا مجال لاستغلال الأزمات الداخلية لتبرير القصف أو تقسيم البلاد.

الغطرسة الإسرائيلية قد تكون كسرت حاجز الصمت الشعبي، لكنها بالمقابل فجّرت موجة من التماسك الوطني، الذي قد يُشكّل بدوره عاملاً ضاغطًا على كل من يراهن على تفتيت سوريا من الداخل.

وبينما تواصل إسرائيل تحركاتها في جنوب سوريا، قد تجد نفسها أمام شارع سوري لا يرضى بالخضوع، ولا يقبل أن تكون بلاده ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فكما قال أحد المتظاهرين في دمشق: “سوريا رغم كل الجراح، لا تزال عصيّة على الانكسار، ومن يظن أنه يستطيع تمزيقها من الجو، فليتعلّم من دروس التاريخ.”

اقرأ أيضًا :القضاء الفرنسي يضيّق الخناق على الأسد: جرائم ضد الإنسانية تلاحق الرئيس المخلوع