منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته لإنهاء حرب غزة، برز مصطلح “قوة الاستقرار الدولية” كأحد أكثر بنود الخطة إثارة للجدل والغموض. فالقوة المزمع تشكيلها لتأمين المناطق المنسحب منها جيش الاحتلال الإسرائيلي وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، تحوّلت سريعًا إلى محور خلاف سياسي وأمني واسع، ليس فقط بسبب تعقيدات الميدان الغزّي، بل أيضًا نتيجة التنافس الإقليمي والشكوك حول الأهداف الحقيقية وراء إنشائها.
في الوقت الذي تروّج فيه واشنطن للقوة باعتبارها “حلاً أمنيًا مؤقتًا”، يرى محللون أنها قد تمثل غطاءً جديدًا لاستمرار السيطرة الإسرائيلية، ووسيلة لإعادة هندسة الواقع الأمني والسياسي في القطاع بعيدًا عن إرادة الفلسطينيين أنفسهم.

فكرة القوة ومصدرها: من بلير إلى ترامب
تعود فكرة إنشاء قوة دولية متعددة الجنسيات في غزة إلى مقترح قدمه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في يوليو/تموز 2025، قبل أن يتبناها ترامب ومستشاره جاريد كوشنر ضمن خطته ذات النقاط العشرين التي أعلن عنها في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
ووفق الوثيقة الأمريكية، فإن “قوة الاستقرار الدولية” (ISF) ستكون بمثابة جهاز أمني متكامل، يتعاون مع “شركاء عرب ودوليين” لتوفير الأمن، وتدريب قوة شرطية فلسطينية جديدة، والإشراف على نزع سلاح الفصائل، والمساعدة في إعادة تطوير البنية التحتية للقطاع.
لكن رغم هذا الطرح، فإن خطة ترامب لم تحدد آلية واضحة لعمل القوة أو طبيعة تفويضها القانوني، ما فتح الباب أمام قراءات متباينة، تتراوح بين كونها “قوة دعم إنساني” وبين اعتبارها “غطاءً لتكريس الاحتلال”.
عراقيل سياسية وأمنية أمام التنفيذ
الحديث عن تشكيل القوة اصطدم بعراقيل متعددة، أبرزها رفض العديد من الدول الانخراط في إرسال قوات إلى غزة، خوفًا من المخاطر الأمنية أو من النظر إليها كقوة احتلال جديدة.
صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نقلت عن مصادر دبلوماسية أن “التردد الدولي سببه الغموض في المهمة، والخشية من استهداف القوة من قبل فصائل فلسطينية تعتبرها امتدادًا للنفوذ الأمريكي أو الإسرائيلي”.
كما برزت عراقيل أخرى من داخل إسرائيل نفسها، حيث أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو رفضه لمشاركة تركيا في القوة الدولية، في وقت كانت أنقرة قد أبدت استعدادًا مشروطًا للانخراط فيها بعد وقف إطلاق النار، معتبرة أن مشاركتها قد تساعد في ضمان استقرار فعلي وليس “وصاية استعمارية جديدة”.
الموقف الأمريكي والإسرائيلي: مشروط بالموافقة الإسرائيلية
خلال مؤتمر صحفي عقده في تل أبيب، أكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن وجود أي قوات أجنبية في غزة “سيعتمد على موافقة الحكومة الإسرائيلية”، مشيرًا إلى أن واشنطن “تقدّر الدور التركي في التوصل إلى الهدنة”، لكنها لم توضح طبيعة مشاركة أنقرة المحتملة.
ويعكس هذا التصريح أن الولايات المتحدة لا تزال ترى في إسرائيل الطرف المقرّر في أي ترتيبات مستقبلية، بما في ذلك تلك التي يفترض أن تكون “دولية ومحايدة”، ما يجعل القوة رهينة للمزاج السياسي والأمني في تل أبيب.
المهام المعلنة للقوة: بين الأمن والسيطرة
وفق الوثائق المسربة من الخطة الأمريكية، ستتولى القوة الدولية أربع مهام أساسية:
-
ضبط الحدود والمحيط الخارجي للقطاع.
-
مكافحة “الإرهاب” والتعامل مع التهديدات عالية الخطورة.
-
تأمين المساعدات والبنية التحتية الإنسانية.
-
دعم الشرطة المدنية الفلسطينية الجديدة.
إلا أن جوهر هذه المهام، بحسب محللين، يتجاوز البعد الإنساني نحو هدف استراتيجي: تفكيك البنية العسكرية للمقاومة، وعلى رأسها حماس، وهو ما يثير قلق الفلسطينيين من أن تتحول هذه القوة إلى أداة لنزع سلاحهم بدلًا من حماية أمنهم.
التحركات الميدانية: مؤشرات أولية على التأسيس
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بدأ الحديث عن نشر أولى وحدات “قوة الاستقرار”.
فقد أفادت تقارير أمريكية بوجود نحو 25 عنصرًا أمريكيًا في المنطقة لأغراض التنسيق، بينما تعمل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا على إعداد مشروع قرار لمجلس الأمن لتشكيل القوة رسميًا، في خطوة توصف بأنها تمهيد لشرعنة الوجود الدولي في غزة.
كما بدأت واشنطن بإنشاء مركز التنسيق المدني-العسكري (CMCC) بقيادة الجنرال براد كوبر من القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، لتنسيق جهود مراقبة الهدنة والإشراف على القوة الدولية. ويُنتظر أن يضم هذا المركز ممثلين من مصر وقطر وتركيا والإمارات، إلى جانب ضباط تخطيط عسكري بريطانيين.
تساؤلات حول المشاركة العربية والدور الفلسطيني
رغم الإشارة إلى احتمال مشاركة دول عربية مثل مصر وقطر والإمارات، فإن الموقف العربي ما يزال متباينًا.
فالقاهرة أبدت استعدادًا محدودًا للتعاون في المجال اللوجستي دون إرسال قوات، بينما تحاول الدوحة ضمان ألا تتحول القوة إلى غطاء لتهميش المقاومة أو تصفية القضية الفلسطينية سياسيًا.
أما الإمارات، فوفق تقارير أمريكية، فقد أبدت رغبة في المشاركة لتوسيع نفوذها في الملف الفلسطيني، وهو ما يثير تحفظات عربية وفلسطينية.
ويبقى الغائب الأكبر في هذا المشهد هو الدور الفلسطيني نفسه؛ إذ لم يُكشف عن الجهة الفلسطينية التي ستتعاون مع القوة، ولا عن مستقبل الحكم في القطاع بعد انسحاب جيش الاحتلال، ما يجعل كل الترتيبات المعلنة حتى الآن تدور في فراغ سياسي واضح.
خاتمة: غموض مقصود أم فشل مبكر؟
في ظل تضارب المواقف الدولية ورفض فصائل المقاومة لأي وجود عسكري أجنبي، تبدو “قوة الاستقرار الدولية” مشروعًا معقدًا يفتقر إلى الأسس الواقعية.
فهي من جهة تُقدَّم كأداة لضمان الأمن وإعادة الإعمار، ومن جهة أخرى تُتهم بأنها محاولة لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني وفق الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية.
وبين الرغبة الأمريكية في فرض ترتيبات جديدة، والمخاوف من انزلاق هذه القوة إلى صدام مباشر مع الفصائل الفلسطينية، يبدو أن “قوة الاستقرار” ستبقى حتى إشعار آخر عنوانًا آخر للغموض في ملف غزة — غموضًا يعكس فشلًا مبكرًا في بناء سلام حقيقي يستند إلى العدالة والحرية، لا إلى الاحتلال المغلّف بشعارات “الاستقرار”.
اقرأ أيضًا : رغم تجاهل الاحتلال للوساطة المصرية.. رئيس المخابرات يلتقي نتنياهو في إسرائيل