توالت ردود فعل المعارضين السعوديين في الخارج على دعوة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لهم بالعودة إلى المملكة، وهي الدعوة التي جاءت عبر رئيس جهاز أمن الدولة عبد العزيز الهويريني، الذي نقلها إلى الإعلام من خلال مقابلة على قناة “إم بي سي”.
وأوضح الهويريني أن الدعوة جاءت بتوجيه مباشر من ولي العهد، مؤكدًا أن السعودية ترحب بعودة ” المعارضة في الخارج”، شرط ألا يكون عليهم حقوق خاصة كجرائم القتل أو السرقة أو الاعتداء.
غير أن هذه الدعوة أثارت شكوك المعارضين الذين اعتبروها مجرد “فخ أمني” وليس مبادرة مصالحة حقيقية، خاصة أن السعودية لا تزال تعتقل المئات من النشطاء والمعارضين السياسيين داخل سجونها، وفقًا لمنظمات حقوقية.
وأشار العديد من المعارضين إلى أن الحكومة تحاول تقديم صورة جديدة للعالم بأنها أكثر تسامحًا مع المعارضين، في محاولة لتخفيف الضغوط الدولية وتحسين سجلها الحقوقي لجذب الاستثمارات الأجنبية.

رفض واسع واتهامات بعدم الجدية
المعارضون البارزون في الخارج، مثل سعد الفقيه وسعيد بن ناصر الغامدي، رفضوا دعوة الهويريني وابن سلمان، مؤكدين أن خروجهم من المملكة لم يكن لأسباب شخصية بل نتيجة القمع السياسي وانعدام الحريات. وأكدوا أن العودة غير واردة طالما أن القمع مستمر والمعتقلون السياسيون لا يزالون في السجون.
وأشاروا في تغريدات وفيديوهات إلى أن الدولة لن تتغير بإطلاق دعوة شكلية، بل يجب أن يكون هناك إصلاح جذري يشمل إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، ورفع الحظر عن الحريات العامة، والسماح بإنشاء الأحزاب السياسية والنقابات المستقلة.
وفي هذا السياق، قال سعد الفقيه إن الدعوة ربما تفيد بعض المعارضين الذين يعانون من مشاق العيش في الخارج، لكن “الأغلبية الساحقة لن تكترث بها، لأنها لا تحمل أي ضمانات حقيقية”.
أما ناصر القرني، نجل الداعية المعتقل عوض القرني، فاعتبر أن الدعوة تكشف عن اعتراف سعودي ضمني بحجم المعارضة في الخارج وتأثيرها المتزايد.
وأضاف أن السلطات السعودية كانت تسخر في السابق من المعارضين وتقلل من شأنهم، لكنها الآن تسعى لاستعادتهم بعد فشلها في وقف تمدد نشاطهم.
وأشار إلى أن الدعوة بدأت عبر شخصيات إعلامية مثل الفنان السابق فايز المالكي، ثم عبر حسابات على منصة “إكس”، قبل أن تصل إلى أعلى المستويات الحكومية ممثلة في ابن سلمان نفسه.
وفي السياق ذاته، اعتبر العقيد المنشق رابح العنزي أن اعتقال أشخاص لمدة 30 أو 40 سنة بسبب تغريدة على “تويتر”، ثم دعوة المعارضين للعودة وكأن شيئًا لم يكن، “أمر غبي وسخيف”، على حد تعبيره.
وأضاف أن العرض الجاد والحقيقي يجب أن يسبقه إصدار تشريعات جديدة تضمن حرية التعبير والنقد السياسي، وهو ما لا تملكه السعودية حتى الآن.
دعوة موجهة لمن يمكن ابتزازهم
المعارض السعودي المقيم في كندا عمر الزهراني، الذي يعد أحد أبرز الأصوات المعارضة، قال إن دعوة ابن سلمان ليست موجهة للمعارضين الحقيقيين، بل تستهدف أشخاصًا يعيشون في الخارج ويخشون من الملاحقة القضائية عند عودتهم.
وأضاف أنه شخصيًا تلقى تهديدات عديدة من الحكومة السعودية، حيث اعتُقل أشقاؤه وأصدقاؤه منذ عام 2018 كورقة ضغط لإجباره على العودة، وهو ما يجعله غير مقتنع بأي وعود حكومية.
وأكد الزهراني أن هذه الخطوة تأتي في إطار حملة سعودية لتحسين صورتها الحقوقية أمام المجتمع الدولي، بهدف تسهيل الحصول على استثمارات أجنبية، لا سيما مع تصاعد الضغوط الغربية حول سجل المملكة في مجال حقوق الإنسان.
أما الأكاديمي سلطان العامر، فرأى أن مبادرة الهويريني قد تكون فرصة لمن يرغبون في العودة والتخلي عن العمل السياسي، لكنه شدد على أن المشكلة الأساسية لم تتغير، فمستوى الحريات في المملكة لا يزال في حدوده الدنيا.
واتفق معه الكاتب السعودي نواف القديمي، الذي انتقد الطريقة التي وصف بها الهويريني المعارضين بأنهم “مغرر بهم” أو “مستغلون من جهات مغرضة”، مشيرًا إلى أن العديد منهم اتخذوا موقفهم السياسي عن قناعة وليس بسبب تحريض خارجي.
لا مصالحة بدون إصلاحات جذرية
خلال الأسابيع الماضية، أفرجت السعودية عن بعض المعتقلين السياسيين، بمن فيهم أكاديميون ودعاة بارزون، في خطوة رأى البعض أنها جزء من استراتيجية تبييض الوجه أمام المجتمع الدولي.
لكن رغم ذلك، لا تزال السلطات تحتجز مئات النشطاء والمعارضين، وبعضهم يواجه أحكامًا طويلة بالسجن أو حتى الإعدام لمجرد نشرهم تغريدات ناقدة.
ويرى المعارضون أن الحكومة السعودية تحاول إقناع العالم بأنها تغيرت، لكنها في الواقع تواصل سياساتها القمعية دون تغيير حقيقي.
ويؤكدون أن أي دعوة للمصالحة لن تكون ذات قيمة ما لم يتم وضع قوانين تحمي حرية التعبير، وإنشاء مؤسسات مستقلة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين دون شروط.
بالتالي، فإن معظم المعارضين يرون أن هذه الدعوة ليست سوى محاولة لاحتواء المعارضة وإعادة المعارضين إلى السعودية لمراقبتهم أو حتى اعتقالهم لاحقًا، مما يجعلها في نظرهم “فخًا أمنيًا” أكثر منها خطوة نحو المصالحة الحقيقية.
اقرأ أيضًا : السعودية تشدد قبضتها على المساجد في رمضان: قرار جديد لمنع تصوير وبث الصلوات يثير الجدل