في تطور لافت يعكس عمق التوتر داخل الدوائر المقرّبة من النظام المصري، كشفت مؤشرات عديدة عن حالة انقسام غير مسبوقة بين صفوف مؤيدي رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، على خلفية طريقة إدارة الانتخابات التشريعية لمجلسي النواب والشيوخ.

الانتخابات التي جرت تحت سيطرة أمنية مُحكمة، وبأساليب “هندسة سياسية” أثارت غضب حتى من كانوا أشد المدافعين عن النظام، فتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات حول ما إذا كان السيسي قد بدأ بالفعل بدفع ثمن هندسته للبرلمان وتحويله إلى مجلس مختار أمنيًا لا يعكس أي تمثيل شعبي.

هندسة أمنية فجّة.. وتحول البرلمان إلى مشروع سيادي

جاءت العملية الانتخابية محكومة منذ اللحظة الأولى بقبضة الأجهزة الأمنية، بدءًا من اختيار المرشحين داخل “القائمة الوطنية” التي قادها حزب “مستقبل وطن”، وصولًا إلى استبعاد شخصيات لها تاريخ في تأييد السيسي، وفرض وجوه بعينها رغم افتقار بعضها لأي خبرة سياسية.

مرشحون أكدوا تعرضهم لضغوط وتهديدات مباشرة إذا لم ينسحبوا، بينما وثقت كاميرات انتخابية توزيع المال السياسي على الناخبين بشكل فج، تراوحت فيه الرشاوى بين 200 و500 و1000 جنيه، إضافة إلى “كراتين” مواد غذائية وبونات شراء.

وبحسب شهادات متطابقة لمرشحين، فقد جرى بيع مواقع داخل القائمة الوطنية بمبالغ تتراوح بين 25 و70 مليون جنيه، ما حول الانتخابات إلى مزاد سياسي يخضع لسماسرة النفوذ والمال، وأعاد تشكيل البرلمان وفق معادلة تقول: “من يملك المال والأمن يملك المقعد”.

انسحابات مؤلمة داخل معسكر المؤيدين

المشهد الأكثر دلالة على عمق الأزمة كان انسحاب شخصيات مؤيدة للسيسي من سباق الانتخابات، ليس رفضًا للنظام، بل احتجاجًا على تعسّف الأجهزة الأمنية وتزوير النتائج لصالح “المرشح المدعوم سياديًا”.

النائبة نشوى الديب –إحدى أبرز الداعمات للجمهورية الجديدة– أعلنت انسحابها احتجاجًا على غياب الشفافية وحسم المقاعد مسبقًا.

وفي سوهاج، انسحب النائب رفعت شكيب احتجاجًا على “المال السياسي والضغط الأمني”، بينما انسحب مرشحون آخرون قبل ساعات من الاقتراع بسبب تهديدات مباشرة.

هذه الانسحابات تكشف حجم الاستياء داخل صفوف المؤيدين، حيث لم يعد النظام يكتفي بإقصاء المعارضة، بل بات يقصي حتى أنصاره الذين لا يخضعون بالكامل للترتيبات الأمنية.

نداءات استغاثة إلى السيسي.. “أولادك بيداس عليهم”

المشهد بلغ ذروته بعد ظهور مرشحين مؤيدين للنظام يستغيثون بالسيسي علنًا، ويشتكون تعرضهم للضغط أو التلاعب بالنتائج لصالح مرشحين مدعومين من جهات سيادية.

المرشح أحمد فتحي قال من داخل اللجنة الانتخابية:

“ولادك يداس عليهم يا ريس”

مؤكدًا أنه شاهد فتح الصناديق قبل موعد غلقها، في دلالة واضحة على تزوير منظم.

مرشح آخر، محمود جويلي، اختُطف وفق رواية زوجته، التي ظهرت في بث مباشر تستغيث:

“زوجي اتخطف.. احمي أولادك يا ريس”

هذه المشاهد تعكس حالًا من الفوضى داخل معسكر النظام نفسه، حيث لم يعد أي مرشح بمنأى عن سطوة الأجهزة حتى لو كان مواليًا للنظام.

صدام القبائل والشارع.. انفجار الاستقطاب في الصعيد

في مناطق الصعيد والريف، حيث تلعب العصبيات القبلية دورًا بارزًا، تحولت الانتخابات إلى مواجهات بالعصي والشوم، وخرجت تظاهرات ترفض نتائج أعلنت لصالح “مرشح الأمن”.

في شطورة بسوهاج، رفض الأهالي توزيع الكراتين مقابل الأصوات، بينما احتجت قرى أخرى ضد نتائج مفبركة، في مؤشر على تنامي الغضب الشعبي ضد توظيف العوز الاقتصادي لشراء الولاءات.

تململ داخل النظام.. اعترافات نادرة بخطورة الهندسة

لم يقتصر الانتقاد على الشارع أو المرشحين، بل طال شخصيات بارزة داخل النظام.

اللواء تامر الشهاوي –ضابط المخابرات الحربية السابق– قال بصراحة لافتة:

“السواد الأعظم ممن سيدخلون البرلمان لو ترشحوا في انتخابات حقيقية لسقطوا… هذا عبث سندفع ثمنه لاحقًا”.

أما الإعلامي المقرّب من النظام مجدي الجلاد، فقد اعترف بوجود “هندسة انتخابية”، وتساءل:

“كيف نواجه تحديات ضخمة دون وجود معارضة حقيقية؟”

هذه التصريحات تعكس اعترافًا ضمنيًا بأن البرلمان الجديد مفكك، ضعيف، ومؤسس بطريقة تُفاقم هشاشة النظام بدل أن تدعمه.

خسارة السيسي داخل معسكر النفوذ

يرى محللون أن ما يحدث يمثل بداية خسارة السيسي لطبقة رجال الأعمال وأصحاب النفوذ الذين طالما شكّلوا شبكة الدعم الرئيسية له.

مرشحون كانوا يحظون بشعبية واسعة مثل عبدالرحمن مشهور يواجهون –وفق مقربين منهم– حملات ممنهجة من حزب “مستقبل وطن” لإسقاطهم، ما يعكس صراعًا داخل الدوائر القريبة من السلطة حول النفوذ داخل البرلمان القادم.

أحمد جاد، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، يؤكد أن “السيسي سيخسر الكثير من داعميه التقليديين”، لأن النظام تجاوزهم وتجاهل أدوارهم، مشيرًا إلى أن ما يجري هو “تحصيل ثمار سنوات من هندسة سياسية أقصت الجميع”.

هندسة الاستبداد.. والانسداد السياسي الكامل

الكاتب والمحلل السياسي محمد فخري يرى أن ما يجري ليس انقسامًا سياسيًا بقدر ما هو “خلل إجرائي داخل عملية مُعَدّة سلفًا”، معتبرًا أن المشاركين في الانتخابات ليس لديهم مرجعيات سياسية، وأن النظام حرص على ملء الساحة بشخصيات بلا خبرة ولا وزن سياسي.

وبحسب فخري، فإن “الهندسة الأمنية” أنتجت طبقة من المنتفعين لا تمتلك القدرة ولا الرغبة في مقاومة الاستبداد أو دفع تكلفة الانقسام.

خلاصة: ثمن الاستحواذ

ما تشهده الساحة الانتخابية المصرية هو نتاج سنوات من بناء نظام سياسي مغلق يقوم على الإقصاء والتعيين غير المعلن.

لكن المفارقة أن هذه الهندسة التي هدفت إلى تأمين النظام بدأت الآن ترتد عليه، حيث أصبح الصراع بين “أبناء النظام” أنفسهم أكثر حدة، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا التصدع إلى اهتزازات سياسية أعمق في المستقبل.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد انتخابات مُشوّهة، بل هو مؤشر خطير على أن شبكة الدعم حول السيسي قد بدأت تتآكل من الداخل، وأن تكلفة الاستبداد أصبحت أعلى مما يستطيع النظام نفسه تحمّله.

اقرأ أيضا : الاحتلال يستعد للمجازر من جديد.. زامير يلوّح بهجوم واسع و”الخط الأصفر“ يتحوّل إلى أداة تطويق وسيطرة