في تحول عسكري وجيوسياسي خطير، اعتبر الخبير العسكري والإستراتيجي العميد إلياس حنا أن سقوط مدينة هجليج النفطية في ولاية غرب كردفان بيد ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا يشكّل محطة حاسمة في المعارك الدائرة، ويمهّد لتشكيل فاصل جغرافي قد يعزل غرب السودان عن شرقه، بما يهدد الوحدة الجغرافية والسياسية للبلاد بصورة غير مسبوقة.
هجليج، التي تضم أحد أكبر الحقول النفطية في السودان، سقطت بعد سلسلة هجمات موسعة نفذتها ميليشيا الدعم السريع على منشآت النفط والطرق الحيوية. وبينما أعلن الجيش السوداني انسحابه منها “لحماية المواقع الحساسة”، حمّلت الحكومة الميليشيا مسؤولية انسحاب الشركات الصينية بعد ثلاثة عقود من العمل، بفعل الانهيار الأمني وقطع سلاسل الإمدادات.

اندفاعة نحو النيل الأبيض بغطاء وتمويل إماراتي
يرى العميد حنا أن السيطرة على هجليج تأتي امتدادًا لاندفاعة واضحة بدأت من الفاشر ثم بابنوسة وصولًا إلى غرب كردفان، مستفيدة من الدعم اللوجستي والمالي القادم من الإمارات، والذي يشمل –بحسب تقارير دولية– تزويد الميليشيا بالسلاح والطائرات المسيّرة عبر شبكات تهريب تمتد من ليبيا وحتى شرق إفريقيا.
ويشير الخبير إلى أن هذا التقدم ليس عشوائيًا، بل يهدف إلى وضع اليد على الثروات النفطية والذهبية، ومن ثم التقدّم نحو النيل الأبيض لإقامة خط فاصل يعزل الغرب عن الشرق، وهو السيناريو الذي تحذر منه مؤسسات دولية باعتباره يمهّد لواقع انفصالي جديد.
مساحة حرب هائلة واستنزاف متزايد للجيش
تدور الحرب السودانية اليوم في مساحة تتجاوز 1.8 مليون كيلومتر مربع، ما يجعل السيطرة على خطوط الإمداد تحديًا وجوديًا للجيش السوداني. ويؤكد حنا أن الجيش يعاني من عزلة ميدانية خانقة، إذ يصعب عليه التمدد أو الاحتفاظ بالمواقع البعيدة، بينما تعتمد ميليشيا الدعم السريع على حرب الحركة والمناورة المدعومة بإمدادات إماراتية متواصلة.
ويرى الخبير أن الضغط المتدرج على مواقع الجيش في الفاشر وبابنوسة وهجليج يعكس تكتيكًا ممنهجًا، هدفه إفراغ القطاع النفطي من القوات الحكومية ودفعها نحو خطوط دفاعية أضعف.
هجليج.. شريان نفطي تنهشه الميليشيا
يمثّل حقل هجليج مركزًا رئيسيًا لضخ وتكرير ونقل النفط السوداني. وقد تعرّض خلال الفترة الأخيرة لهجمات بطائرات مسيّرة –أكدت مصادر عسكرية أنها إماراتية المنشأ– استخدمتها ميليشيا الدعم السريع في تفجير الخزانات وتعطيل شبكات الإنتاج.
وتضيف المصادر الحكومية أن التوتر الأمني المستمر جعل الشركات الأجنبية، خاصة الصينية، تتخذ قرارًا حاسمًا بمغادرة قطاع النفط، ما أدى إلى شلّ جزء مهم من اقتصاد الدولة، وهو هدف تسعى إليه الميليشيا لتقويض الحكومة وإضعاف قدرتها على تمويل الحرب.
كادوقلي.. المحطة التالية لمعركة الفصل
يعتبر العميد حنا أن مدينة كادوقلي ستكون نقطة الاختبار المقبلة، لأنها تضم مركز قيادة رئيسيًا للجيش. فإذا نجحت ميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات في اختراق دفاعاتها، فإن الطريق نحو النيل الأبيض سيصبح مفتوحًا، ما يشكّل تحوّلًا جذريًا في مسار الحرب ويفرض على الجيش معادلة جديدة قوامها الدفاع بدل الهجوم.
ويؤكد أن الجيش يخوض حربًا تقليدية تعتمد على الدروع والطيران، بينما تعتمد الميليشيا على التنقل السريع، والتمويل غير الرسمي، والتسليح الخارجي، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التمدد في جغرافيا واسعة.
خطر التشظي.. وتمويل الحرب عبر الذهب والنفط
تشير تقديرات عسكرية إلى أن ميليشيا الدعم السريع تحصل على دعم متصاعد من الإمارات عبر شبكات تهريب الذهب من دارفور إلى دبي، إضافة إلى مدّها بالسلاح عبر خطوط غير مباشرة تمر بليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى. هذا التمويل الخارجي يمنح الميليشيا قدرة على الحفاظ على زخمها العسكري حتى لو تعطلت مواردها المحلية.
ويرى حنا أن سيطرتها على مناطق النفط تتيح لها تمويلًا ذاتيًا عبر التهريب، وتسمح لها بإدارة اقتصاد موازٍ خارج سلطة الدولة، ما يعزز سيناريو التقسيم الفعلي بين شرق وغرب السودان، ويدفع البلاد نحو مرحلة جديدة من التشظي.
الخلاصة: سقوط هجليج برعاية إماراتية.. أخطر منعطف في الحرب
يخلص العميد إلياس حنا إلى أن سقوط هجليج بيد ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا ليس مجرد انتكاسة عسكرية، بل تحوّل استراتيجي يعكس اختلال ميزان القوى لصالح الميليشيا، ويمهّد لتغيير جغرافي قد يقود إلى تقسيم السودان فعليًا.
فالثروات النفطية التي أصبحت خارج سيطرة الدولة، والدعم الخارجي السخي، واتساع جبهات القتال، كلها عوامل تضيق الخناق على الجيش، وتمنح الميليشيا قدرة على رسم خريطة جديدة للبلاد.
اقرأ أيضًا : الإمارات وحرب النفط في السودان.. الجيش ينسحب من هجليج وميليشيا الدعم السريع تهاجم