لم تعد “قضية إبستين” مجرد ملف أمريكي قديم يعاد تدويره كلما احتاج الإعلام لفضيحة؛ ما كُشف في تقرير بلومبرغ المنشور أمس عن العلاقة بين سلطان أحمد بن سليم—الرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية—وجيفري إبستين، يضع أبوظبي أمام امتحان أخلاقي وسياسي وإعلامي قاسٍ. نحن هنا أمام مراسلات تمتد لسنوات، تُظهر صداقة حميمة “أخوية” مشبعة بثقة مطلقة، ليس فقط في تبادل النكات والطلبات، بل في توسيع شبكة علاقات تضم مسؤولين وأثرياء من أمريكا وأوروبا والإمارات… وتفاصيل تُفترض أنها لا تخرج من غرف مغلقة.

لغة الرسائل: فجاجة تكشف طبيعة “الدائرة الخاصة”

أحد أكثر المقاطع صدمة—لأنه يلخص الجو الأخلاقي العام داخل العلاقة—هو ما كتبه بن سليم لإبستين في سبتمبر/أيلول 2015 وهو يتحدث عن طالبة تبادل أجنبية في إحدى جامعات دبي:

قال حرفيًا: “لقد خُطبت، لكنها عادت إليّ الآن. إنها أفضل علاقة جنسية مارستها في حياتي، جسدها مذهل”.

ليست المسألة هنا “جملة بذيئة” عابرة، بل مؤشر على طريقة التفكير: امرأة تُختزل إلى جسد ومتعة، وعلاقة تُقدَّم كإنجاز، وكأن الطرفين يتبادلان إنجازات صيد لا علاقات بشرية.

“إيهود – سلطان”: جسر علاقات مع مسؤولين كبار

في يونيو 2015 كتب إبستين بريدًا إلكترونيًا يربط رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك بسلطان بن سليم، وجاءت الصياغة كما يلي:

“إيهود – سلطان. سلطان إيهود”.

بسطرين فقط، يرسم إبستين دور “العرّاب” الذي يوصّل الأشخاص ببعضهم: رجل أعمال إماراتي في قلب شبكة علاقات دولية، وسياسي إسرائيلي سابق له وزن واتصالات… دون أي حساسيات معلنة، ودون أسئلة في الإعلام الرسمي عن “من يقابل من؟ ولماذا؟”.

توظيف روسيات “بلا خبرة”: الوظائف كخدمات داخل الشبكة

في أغسطس 2017 ناقش الاثنان شابة روسية “بدون أي خبرة عملية”. كتب إبستين إلى بن سليم:

“هل يمكننا إيجاد وظيفة لها في أي فندق في دبي؟”

السؤال هنا ليس عن “فرصة عمل” بمعناها الطبيعي، بل عن آلية: شخص يطلب، وشخص ينفذ، وفنادق دبي تتحول إلى مساحة لتسكين طلبات الشبكة، خصوصًا حين تكون المرشحة “بلا خبرة”. ماذا تعني الوظيفة حين تكون نقطة البداية ليست المؤهلات بل توصية رجل مثل إبستين؟

“مدلكة شخصية لصديقنا جيفري إبستين”

الأكثر دلالة على التطبيع الفج مع “الخدمات” هو محاولة بن سليم إيجاد وظيفة لامرأة روسية أخرى في منتجع فاخر بتركيا، حيث أخبر أحد معارفه هناك بأنها تعمل كـمدلكة شخصية في المنتجع الصحي الخاص بـ**“صديقنا جيفري إبستين”**.

هنا تتحول العبارة إلى ختم ثقة: “صديقنا” كأنها تزكية، و“مدلكة شخصية” كأنها توصيف مهني محايد، بينما السياق العام في مراسلات إبستين معروف وثقيل ومسموم.

رسالة 2007: “هي تريد عملاً… وأنا أريد المتعة”

تظهر رسالة بريد إلكتروني في نوفمبر 2007 أن إبستين تواصل مع بن سليم بشأن محاولات الأخير للقاء عارضة أزياء. كتب إبستين: “أخبرتني بقصة طريفة” فأجابه بن سليم: “نعم”. ثم يشرح بن سليم: بعد محاولات على مدى شهور، تمكنا من اللقاء في نيويورك، “هناك سوء فهم، فهي تريد عملاً! بينما أنا أريد فقط بعض المتعة!”

فيرد إبستين: “الحمد لله، ما زال هناك أمثالك”.

هذا ليس “مزاح رجال”، هذا تواطؤ واضح على اختزال النساء إلى سلعة، والضحك على فكرة “العمل” كأنه قناع يعطّل “المتعة” المطلوبة.

صور عيد الميلاد 2007

في عيد الميلاد 2007 أرسل بن سليم إلى إبستين رسالة بعنوان “merrychristmas.jpg” تحتوي صورة لعشر نساء عاريات الصدر على شاطئ يرتدين قبعات بابا نويل، مع تعليق: “أمنيات صدرية لعيد الميلاد”.

ثم أرسل صورة أخرى لامرأة عارية من الخلف، وكُتب الرقمان 2 و8 ليشكلا “2008” على جانبي مؤخرتها.

هذه ليست تفاصيل هامشية: إنها توثيق لطبيعة العلاقة، وللغة التواصل، ولما يعتبره الطرفان “محتوى مناسبًا” للتبادل.

طوكيو 2013: قائمة تدليك بلمسات جنسية… و”رائع”

في ديسمبر 2013 أرسل بن سليم رسالة من اليابان مرفقًا قائمة خدمات لمؤسسة تقدم تدليكًا يتضمن لمسات جنسية، وكتب: “أنا في طوكيو، لقد جربتُ التدليك الكامل للتو”، فجاء رد إبستين: “رائع”.

مرة أخرى: لا نصيحة، لا تحفظ، لا صدمة… مجرد تشجيع، بما يشي بأن الأمر طبيعي داخل هذه الصداقة.

“جزيرتك”: دعوات العيد وخيارات النقل

في ديسمبر 2014 كتب بن سليم: “عزيزي جيفري، هل من جديد بخصوص قضاء عيد الميلاد في جزيرتك؟ أحتاج إلى التخطيط لرحلتي”.

ثم في 2 ديسمبر 2016 راسل إبستين بن سليم يسأله إن كان يرغب في الانتقال إلى جزيرته، بصيغة مباشرة: “هل ترغب أنت وصديقتك في الذهاب إلى الجزيرة الليلة؟ عليكما الذهاب بالسيارة والقارب لأن طيار المروحية معي”.

تفاصيل النقل هنا تكشف درجة العفوية: الجزيرة ليست فكرة أو أسطورة، بل مكان قائم، تُدار إليه الرحلات كبرنامج سهرات.

كيف سيتعامل “عبيد بن زايد” مع الفضيحة؟

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف ستتصرف ماكينة أبوظبي حين تصبح فضيحة بن سليم عبئًا على “صورة الدولة”؟ عقلية العبيد—في مثل هذه الحالات—تتحرك غالبًا بهذا الترتيب:

  1. نفي انتساب بن سليم للإمارات: لا بد “من أصول هندية أو فارسية أو بلوشية” أو أي مجموعة لا تنتمي لـ“نقاء الدم الإماراتي”.
  2. إذا فشل ذلك: اتهام بلومبرغ بالكذب.
  3. إذا ثبت أن الوثائق منشورة على موقع وزارة العدل الأمريكية: اتهام وزارة العدل نفسها بالتآمر.
  4. إذا انهار هذا الدفاع: بن سليم مدسوس من الإخوان ولا يمثل “شيوخنا ووطننا”.
  5. إذا فشل كل شيء: تجاهل الخبر، ثم مضاعفة الهجوم على الإخوان، وفتح معارك جانبية، وقد يصل الأمر إلى تسويق فضائح أطراف أخرى للتغطية على الفضيحة الأصلية.

خاتمة: الفضيحة ليست “سلوكًا فرديًا” بل مرآة منظومة

هذه التفاصيل ليست “نصوصًا مخجلة” يمكن دفنها بمقال رأي أو تغريدة نفي. إنها سجلّ طويل من مراسلات تكشف علاقة حميمة جدًا وثقة مطلقة بين رجل أعمال إماراتي نافذ واسم ارتبط عالميًا بالاستغلال والاتجار والابتزاز. وفي بلد تُدار فيه السمعة مثلما تُدار الصفقات، ستُختبر الآن قدرة النظام الإماراتي على احتواء جرح لا ينفع معه الماكياج: لأن الفضيحة حين تتحول إلى وثيقة تؤشر على شبكة نفوذ، تصبح أزمة دولة… لا أزمة شخص.

اقرأ أيضًا : إعمار مشروط يحوّل ركام غزة إلى صفقة اقتصادية مربحة للاحتلال