في خضم الأحداث المتوترة في شمالي غرب سوريا، انتشر مقطع فيديو يدّعي أنه يُوثّق لحظة إسقاط براميل متفجرة على مناطق ذات أغلبية علوية، وذلك خلال المواجهات العنيفة بين قوات الأمن السوري ومسلحين موالين للرئيس السوري السابق بشار الأسد.

وأُعيد نشر الفيديو على نطاق واسع عبر حسابات تربطه بالأوضاع المضطربة في محافظتي طرطوس واللاذقية، وسط موجة من التعليقات التي تسعى لإثارة الفتنة الطائفية. 

وجاء في بعض هذه التعليقات التي تهاجم الرئيس السوري أحمد الشرع مزاعم بأن “إرهابيي الجولاني عملاء تركيا يستمرون في إبادة العلويين السوريين وسط صمت عالمي، ويرمون عليهم البراميل المتفجرة من الطائرات”، في محاولة واضحة للتحريض على التصعيد وتأجيج المشاعر الطائفية.

إلا أن تحقيقًا أجرته CNN بالعربية كشف زيف هذه الادعاءات، حيث تبين أن الفيديو المتداول ليس له أي علاقة بسوريا، وإنما يعود إلى غارات جوية إسرائيلية استهدفت منطقة جرود قوسايا في البقاع اللبناني، قبل يوم واحد فقط من بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. 

اللافت في الأمر أن ناشري الفيديو قاموا بقص 13 ثانية من مدته الأصلية البالغة 20 ثانية، بهدف تغيير سياقه بالكامل وإيهام الجمهور بأنه يتعلق بسوريا. 

وقد أكدت صحة هذا الادعاء تقارير إعلامية لبنانية، من بينها شبكة تلفزيون “الجديد”، التي نشرت اللقطات الأصلية على حسابها في منصة إكس (تويتر سابقًا) بتاريخ 26 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

نهج ممنهج: تشويه الحقائق للهروب من الجرائم

ليس من المستغرب أن تأتي هذه الحملة التضليلية من فلول نظام الأسد البائد، إذ لطالما استخدمت هذه الجهات استراتيجيات قائمة على التزييف الإعلامي وقلب الحقائق، وذلك لتشويه صورة الحكومة السورية الجديدة ومحاولة خلط الأوراق.

فبدلًا من الاعتراف بتاريخ النظام السابق الدموي، يسعى هؤلاء إلى التغطية على جرائمهم المتواصلة من خلال تبني نهج “رمتني بدائها وانسلت”، حيث يحاولون إيهام العالم بأنهم الضحايا، بينما هم الجناة الحقيقيون.

ما يؤكد ذلك هو تاريخ نظام بشار الأسد في استخدام البراميل المتفجرة كأداة للقمع الوحشي، حيث استخدمها على نطاق واسع ضد المدنيين خلال سنوات الحرب، متسببًا في مجازر وحشية حصدت أرواح عشرات الآلاف من الأبرياء. 

لم يفرق هذا السلاح العشوائي بين طفل أو امرأة أو مسن، ولم يكن يميز بين مدرسة أو مستشفى أو حي سكني. كانت الغاية واضحة: إرهاب السكان وإجبارهم على الخضوع تحت قوة الحديد والنار.

ولعل أكثر ما يثير الاستهجان هو أن أنصار الأسد، الذين كانوا يومًا أدوات القمع والدمار، يحاولون اليوم تصوير أنفسهم كضحايا لمؤامرات مزعومة، متجاهلين أن العالم كله شهد كيف ألقت طائرات النظام أطنانًا من المتفجرات على أحياء بأكملها في مدن مثل حلب والغوطة الشرقية ودرعا وحمص.

إرث البراميل المتفجرة: من ارتكب المجازر لن يكون الضحية

لا يمكن فصل هذه الحملة الإعلامية التضليلية عن الإرث الأسود لنظام الأسد، الذي استخدم كل الوسائل الوحشية في حربه ضد السوريين، وعلى رأسها البراميل المتفجرة التي أصبحت رمزًا للقمع والتدمير الممنهج. 

هذا السلاح العشوائي، الذي لا يمكن توجيهه بدقة، كان يُلقى من المروحيات بشكل عشوائي على المناطق المدنية، مما تسبب في مقتل وإصابة عشرات الآلاف من الأبرياء، وفق تقارير حقوقية دولية، أبرزها تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، الذي وثّق استخدام النظام السوري لهذه الأسلحة منذ عام 2012.

وقد كشفت تقارير الأمم المتحدة أن البراميل المتفجرة كانت السبب الرئيسي في تهجير ملايين السوريين، بعدما تحولت أحياؤهم إلى أكوام من الركام بفعل القصف العنيف. 

لقد استخدمت هذه الأسلحة بوحشية خاصة خلال الحصار على الغوطة الشرقية، حيث كانت الطائرات تحوّل كل مبنى إلى مقبرة جماعية خلال ثوانٍ معدودة.

أما اليوم، ومع محاولات النظام السابق تبييض صفحته والترويج لادعاءات زائفة، فإن ذاكرة السوريين لا يمكن أن تُمحى بسهولة. 

فالملايين ما زالوا يتذكرون أصوات المروحيات التي كانت ترمي الموت من السماء، ويتذكرون المشاهد المروعة لجثث الأطفال تحت الأنقاض، ويتذكرون كيف كانت الأحياء السكنية تتحول إلى مدن أشباح خلال لحظات.

ختامًا: الحقيقة لا يمكن طمسها

إن محاولات التلاعب بالحقائق عبر الفيديوهات المفبركة لن تغير شيئًا من الواقع، فالمجتمع السوري يدرك جيدًا من هم المجرمون ومن هم الضحايا الحقيقيون. 

وما انتشار مثل هذه الادعاءات إلا محاولة يائسة من فلول النظام المنهار لإعادة تلميع صورته بعد أن أصبح رمادًا في نظر السوريين والعالم.

هكذا، فإن من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء لن يستطيعوا خداع العالم إلى الأبد، فالحقيقة ستبقى أوضح من أي زيف إعلامي وأقوى من أي حملة تضليل.

اقرأ أيضًا : ضربات حاسمة ضد بقايا الأسد.. الجيش السوري يطوّق الفلول