منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تخوض “إسرائيل” واحدة من أعنف حروبها ضد قطاع غزة، مستخدمة أقصى ما في جعبتها من أدوات القتل والتدمير، بدعم أمريكي غربي مكشوف. آلاف الغارات، القنابل الثقيلة، أسلحة الحصار والتجويع، التهجير القسري، استهداف المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، كلها لم تكن كافية لإخضاع المقاومة أو إسكات صوتها. 

بل على العكس، خرجت حماس – رغم الدمار الهائل – أكثر تنظيمًا وصلابةً، وأصبحت، كما أقرّ بذلك جنرال الاحتلال المتقاعد غيرشون هكوهين، تمثل “رمزًا للثبات والتحدي في العالم الإسلامي”.

في مقاله بصحيفة “إسرائيل اليوم”، أبدى هكوهين قلقًا غير مسبوق من قدرة حماس على “إدارة القتال بفعالية”، والتجدد التنظيمي، والانخراط في مفاوضات الأسرى من موقع قوة، متمسكة بشروطها دون تراجع. هذا الإقرار العسكري من أحد أعمدة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، يكشف عمق الفشل الاستراتيجي للاحتلال في تحقيق أهدافه، ويؤكد أن الحرب على غزة لم تضعف حماس بقدر ما رسخت حضورها كقوة غير قابلة للكسر.

تهديد وجودي.. ليس بالقنابل بل بالإيمان

يشير هكوهين إلى نقطة جوهرية تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. فحماس، حسب وصفه، تطرح “تهديدًا وجوديًا” لإسرائيل ليس لأنها تملك ترسانة عسكرية تعادل جيش الاحتلال، بل لأنها باتت تمثل نموذجًا للمقاومة الروحية والنفسية، ولأنها تملك قدرة على الاستمرار والتجدد رغم ما تتعرض له من محاولات سحق.

ويرى هكوهين أن هذا التهديد يتجاوز الكمّ والجغرافيا، ويضرب في عمق “المعتقدات والتطلعات” المتناقضة بين المشروع الصهيوني القائم على الإحلال والهيمنة، والمشروع المقاوم المرتكز على التحرر والحق التاريخي. فالعدو الصهيوني، رغم تفوقه التكنولوجي والمالي والدعم الغربي المفتوح، يفشل مرارًا في كسر إرادة خصم “صغير” على الخريطة، لكنه كبير في الرمزية والصمود.

وفي هذا السياق، يلفت اللواء الإسرائيلي إلى أن قدرة حماس على البقاء كمقاتل مسلح بعد هذه الحرب، يمثل كارثة استراتيجية لدولة الاحتلال، ويؤسس لموجات جديدة من التمرد والتحدي في عموم المنطقة، بل يعيد رسم صورة الصراع في أذهان الشعوب الإسلامية التي باتت ترى في غزة رمزًا للكرامة.

الإجرام مستمر.. والعالم يصمت

وفيما يخوض الاحتلال الإسرائيلي هذه الحرب المفتوحة ضد المدنيين في غزة، تتسع دائرة إجرامه في الأراضي الفلسطينية الأخرى. ففي القدس، اقتحم عشرات المستوطنين، الخميس، باحات المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتلال، في سلوك استفزازي ممنهج يهدف إلى ترسيخ السيادة الإسرائيلية على المسجد، وتحويله إلى ساحة طقوس تلمودية.

في الوقت نفسه، دمرت جرافات المستوطنين خطًا ناقلًا للمياه جنوب نابلس، يغذي عدة قرى فلسطينية، في جريمة بيئية وإنسانية تهدف إلى خنق القرى الفلسطينية وتطفيش سكانها ضمن سياسة التطهير الصامت التي ينتهجها الاحتلال.

أما في غزة، فالصورة أكثر دموية. أكثر من 38 ألف شهيد وجريح، غالبيتهم من النساء والأطفال، ودمار شامل لمناطق سكنية بأكملها. هناك 50 ألف امرأة حامل ومرضعة لم يتناولن الطعام منذ أيام، وفق تقارير أممية، فيما يتعرض الأطفال لمخاطر صحية كارثية. المستشفيات خرجت عن الخدمة، والمخيمات باتت بلا مأوى، والوقود والأدوية مفقودة، بينما العالم يكتفي بالتنديد الخجول، متجاهلًا أوامر محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة.

وفي هذا السياق، تتعامل إسرائيل مع غزة ليس كمنطقة معادية فقط، بل كمجتمع يجب تدميره بالكامل، في ما يشبه عمليات “الإبادة الجماعية المنظمة”، بشهادة منظمات حقوقية ومقرري الأمم المتحدة. ومع ذلك، لم تفلح هذه الممارسات الوحشية في كسر شوكة المقاومة أو دفع الفلسطينيين إلى الاستسلام، بل زادتهم تمسكًا بأرضهم وإيمانًا بعدالة قضيتهم.

خاتمة: من غزة تبدأ الهزيمة المعنوية للاحتلال

إن ما فشلت إسرائيل في استيعابه حتى الآن، هو أن قوتها العسكرية لم تعد كافية لحسم معركة تدور في ميدان الإرادة. وبينما تنغمس في تدمير الحجر، يتجدد البشر وتنبت المقاومة من تحت الركام. حماس اليوم ليست مجرد فصيل مسلح، بل حالة وجدانية عربية وإسلامية، تمثل التحدي الأكبر لمشروع الاحتلال في المنطقة.

لقد أخفقت إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية، وفشلت في تدمير حماس أو إحداث انقلاب شعبي ضدها، وخرجت من الحرب – حتى الآن – بجراح استراتيجية لا تقل فداحة عن الجراح المادية. ومع استمرار الجرائم، يتزايد الرهان على صمود غزة ليس فقط لردع العدوان، بل لإعادة رسم معادلة الردع، وإحياء روح المقاومة في المنطقة.

وختامًا، في غزة تتكسر الأساطير، وتُكتب المعادلات من جديد. فحين تفشل القنابل والطائرات في إخضاع مدينة محاصرة، فهذا يعني أن من يمتلك الإيمان بقضيته، لا يمكن هزيمته ولو اجتمع عليه العالم.

اقرأ أيضًا : قنص من مسافة صفر وهجمات مباغتة.. كتائب القسام تواصل استنزاف جيش الاحتلال شرق غزة