في مشاهد وُصفت بأنها من أكثر العمليات جرأة وتخطيطًا خلال العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، بثت كتائب القسام – الجناح العسكري لحركة حماس – تسجيلًا مصورًا لعمليات نوعية نُفذت مؤخرًا شرق مدينة غزة، أظهرت مستوى عالٍ من الاحتراف والتكتيك الميداني، تمثّل في قنص مباشر من مسافة صفر، واستهداف مركبات عسكرية إسرائيلية، وتنفيذ كمائن قاتلة أربكت قوات الاحتلال. هذه المشاهد، التي حملت رسائل ميدانية واستراتيجية قوية، تعكس استمرار حرب الاستنزاف التي تخوضها المقاومة، ومحدودية تفوق جيش الاحتلال رغم ترسانته الضخمة.

الكمائن من نقطة الصفر.. قناصة القسام يزرعون الرعب
أولى اللقطات أظهرت أحد قناصي القسام يستهدف سائق جرافة عسكرية إسرائيلية على تلة المنطار شرق غزة، وهو يعمل على تجريف الأرض ضمن مهمة تأمين منطقة التوغل. الإصابة كانت مباشرة ومميتة، ما أدى إلى شلّ عمل الجرافة وإرباك الجنود المحيطين بها. لم تكد تمر لحظات حتى ظهرت لقطات أخرى تُظهر إصابة جندي كان متمركزًا داخل نقطة استحكام عسكرية على ذات التلة، تبعتها لقطة ثالثة تُبرز قنص جندي آخر كان يطلق الرصاص عشوائيًا على المناطق الشرقية لغزة، ليسقط على الفور بعد إصابته برصاصة دقيقة.
هذه المشاهد توثق قدرة المقاومة على تنفيذ عمليات مركبة ودقيقة في قلب مناطق الانتشار العسكري الإسرائيلي، وتعكس مدى تطور قدرات الرصد والاستهداف لديها. فهي لا تتحرك بناء على فرص عشوائية، بل تبني عملياتها على مراقبة دقيقة واستغلال نقاط ضعف منظومة الاحتلال.
هجوم جريء من نافذة منزل.. مقاتلو القسام في قلب خطوط العدو
واحدة من أكثر اللحظات إثارة، كانت حين خرج مقاتل من القسام من نافذة أحد المنازل، وفتح النار بشكل مباشر على جندي كان يجلس على مدخل منزل مجاور. كان الهجوم مباغتًا لدرجة أن الجنود لم يتمكنوا من الردّ، وسمع في الفيديو صراخ واستغاثات من الجنود بعد إصابة زميلهم.
هذه العملية تعكس مدى تمكن المقاتلين من السيطرة على البيئة المدنية والمباني التي يتوغل إليها العدو، وتحويلها إلى مصائد قاتلة، رغم ما يُقال عن تفوق الاحتلال تكنولوجيًا. ففي مقابل الكاميرات والطائرات دون طيار الإسرائيلية، تبرز بسالة عناصر القسام الذين يتحركون تحت الأرض وفوقها، ويتخفّون داخل النسيج العمراني، وينقضّون على العدو في اللحظة الحاسمة.
في مشهد آخر، استهدف أحد المقاومين دبابة إسرائيلية من مسافة قريبة للغاية، باستخدام قذيفة “الياسين 105″، وهي من الأسلحة المحلية التي طورتها كتائب القسام. إصابة الدبابة كانت مباشرة، وتلاها انسحاب سريع ومنظم للمقاوم من مكان العملية، ما يدل على تدريب عالٍ وتحكم كامل في مسرح العمليات.
تصاعد عمليات الاستنزاف.. قسام غزة يعيد تعريف الحرب البرية
لم تكن هذه العمليات استثناءً، بل هي جزء من سلسلة هجمات نوعية تصاعدت في الأيام الأخيرة، خاصة في مناطق التوغل شرق غزة وشمالها، حيث تكثف المقاومة من ضرباتها وتوزع كمائنها، وتستهدف قوات الاحتلال في نقاط تجمعهم، وخطوط إمدادهم، وحتى مركباتهم الثقيلة.
أحدث هذه الكمائن كان مساء أمس في بيت حانون شمال القطاع، حيث اعترف جيش الاحتلال بمقتل 5 من جنوده وإصابة 14 آخرين، في كمين معقد يدل على قدر كبير من التخطيط والرصد والتنسيق. وتضاف هذه الحصيلة إلى سلسلة خسائر متزايدة باتت تضغط على القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، وتثير تساؤلات داخل الأوساط الأمنية حول فعالية العملية البرية المتعثرة في غزة.
وبحسب مراقبين، فإن استمرار المقاومة الفلسطينية – وعلى رأسها كتائب القسام – في تنفيذ عمليات قنص واستهداف مباشر، يعكس تبني استراتيجية “الاستنزاف المنظم”، والتي تهدف إلى إنهاك الجيش الإسرائيلي، وحرمانه من تحقيق نصر حاسم أو حتى موطئ قدم آمن داخل القطاع.
خاتمة: القسام يعيد صياغة معادلات الاشتباك
المشهد الميداني في غزة يُظهر أن كتائب القسام تقود تحوّلاً في نمط المواجهة، عبر مزيج من الجرأة التكتيكية والتخفي والعمل في البيئة العمرانية المعقدة، مستفيدة من معرفتها الدقيقة بأرضها، وضعف الجنود الإسرائيليين في القتال المباشر.
الرسالة من هذه المشاهد كانت واضحة: الاحتلال قد يملك طائرات ودبابات، لكنه لا يملك الجرأة للمواجهة المباشرة في شوارع غزة، ولا الحصانة من رصاصة قناص من خلف نافذة، أو قذيفة تطلق من حفرة عند تلة المنطار. لقد عادت المقاومة لتُعيد للعالم مفهوم حرب العصابات، ولكن بطابع فلسطيني يعجّ بالدهاء، والصبر، والإيمان بعدالة القضية.
اقرأ أيضًا : “مؤسسة غزة الإنسانية”.. وجه استخباراتي خلف قناع الإغاثة