شهدت العاصمة التونسية، السبت، مسيرة احتجاجية جديدة شارك فيها مئات المواطنين، رُفعت خلالها شعارات مناهِضة لسياسات الرئيس قيس سعيّد، في تحرّك يعكس اتساع دائرة الغضب الشعبي من القمع السياسي وتدهور الأوضاع العامة في البلاد. وجاءت المسيرة تحت شعار “لا بدّ للقيد أن ينكسر”، في رسالة مباشرة إلى السلطة تؤكد أن الشارع لم يعد مستعدًا للصمت أو التراجع.

عودة الشارع في مواجهة القمع
المسيرة، التي دعت إليها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وشاركت فيها أحزاب وشخصيات حقوقية وسياسية، جاءت للأسبوع الرابع على التوالي، ما يعكس تحوّل الاحتجاج من حالة ظرفية إلى مسار تصاعدي منتظم. ورفع المتظاهرون شعارات قوية من بينها: “حريات حريات دولة البوليس وفات”، و“يسقط يسقط قيس سعيّد”، و“لا قضاء التعليمات”، في إشارة مباشرة إلى ما يعتبره المحتجون انهيارًا لاستقلال القضاء وتحويله إلى أداة بيد السلطة التنفيذية.
اللافت في هذه المسيرة كان الحضور الكثيف لفئة الشباب، الذين بدوا في طليعة الهتافات والتنظيم، في مشهد أعاد إلى الأذهان ديناميكيات الحراك الشعبي الذي سبق ثورة 2011، وإن اختلفت السياقات السياسية.
أزمة سياسية واقتصادية خانقة
يرى معارضو السلطة أن الاحتجاجات لا تنفصل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي المتدهور. فارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمات النقل والصحة والتعليم، كلها عوامل غذّت الاحتقان الشعبي، بالتوازي مع تصاعد الاعتقالات والمحاكمات ذات الطابع السياسي.
في هذا السياق، قال الأمين العام لحزب “العمال” حمة الهمامي إن عودة الشارع للاحتجاج “أمر طبيعي في ظل الانهيار الذي تعيشه البلاد”، معتبرًا أن السجون امتلأت بالمعارضين، في وقت تتدهور فيه الأوضاع المعيشية للمواطنين بشكل غير مسبوق. وأضاف أن النظام الحالي وعد التونسيين بالإنقاذ، لكنه “لم يفعل سوى تعميق الأزمة وتصفية المكاسب الديمقراطية”.
المعارضة… تباين المواقف ووحدة المطلب
رغم اعتراف قوى المعارضة بوجود تباينات سياسية وفكرية بينها، إلا أن القاسم المشترك بينها يتمثل في رفض القمع والدفاع عن الحريات. الهمامي شدد على أن الموقف المبدئي للمعارضة يقوم على رفض الظلم “مهما كان مصدره ومهما كانت ضحيته”، مؤكدًا أن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون قضاء مستقل ونظام ديمقراطي.
وأشار إلى أن معارضة السلطة لا تعني تبرير أي فساد أو جرم، بل المطالبة بمحاكمات عادلة، بعيدًا عن التوظيف السياسي للقضاء. واعتبر أن الاستبداد “مرحلة عابرة”، مؤكدًا أن “لا قيد يبقى إلى الأبد”.
الشباب… رهان التغيير الحقيقي
من جهته، اعتبر الناشط السياسي عز الدين الحزقي أن الشباب المشاركين في المسيرة هم “حملة مشروع الثورة الحقيقي”، لأنهم عاشوا عقدًا من الحرية ولا يمكنهم التفريط فيه. وأكد أن الصراع القائم اليوم هو صراع بين الحلم وكسره، وبين العدل والظلم، مشددًا على أن هؤلاء الشباب يمثلون الأمل في بناء “تونس المؤسسات” التي تم تفكيكها بعد إجراءات 25 يوليو/تموز.
ويرى الحزقي أن ما يجري اليوم هو تسليم رمزي للمشعل من الجيل السياسي القديم إلى جيل جديد أكثر جرأة وتنظيمًا، في ظل تواصل إضرابات الجوع والاحتجاجات الفردية والجماعية ضد القمع.
الحقوق والحريات في مهبّ الريح
أما على المستوى الحقوقي، فقد حذّر نائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، قيس المحسني، من تدهور غير مسبوق في واقع الحقوق والحريات، معتبرًا أن البلاد تشهد “استعمالًا ممنهجًا للقضاء لقمع الخصوم السياسيين”.
وأشار إلى أن السجون تضم اليوم معارضين من مختلف الأطياف، بينهم محامون وصحفيون وحقوقيون، نساءً ورجالًا، فقط بسبب التعبير عن آرائهم. ولفت إلى أن المرسوم عدد 54، وخاصة الفصل 24 منه، تحوّل إلى “سلاح قانوني” لإسكات كل صوت معارض، عبر تهم فضفاضة تتعلق بنشر أخبار كاذبة أو المساس بالأمن العام.
إلى أين يتجه المشهد؟
مع تواصل الاحتجاجات للأسبوع الرابع، وازدياد حضور الشباب، يبدو أن الشارع التونسي يدخل مرحلة جديدة من المواجهة السلمية مع سلطة قيس سعيّد. وبين إصرار المحتجين على كسر “القيد”، وتشدد السلطة في مقاربتها الأمنية والقضائية، تبقى تونس أمام مفترق طرق حاسم: إما العودة إلى مسار الحريات والمؤسسات، أو الانزلاق أكثر نحو حكم فردي يعمّق الأزمة ويؤجل الانفجار.
اقرأ أيضًا : في ظل قمع قيس سعيّد المتصاعد… المرزوقي يدعو الشارع لإسقاط النظام واستعادة دولة القانون