أسفرت تدفقات فيضانية وُصفت بـ«الاستثنائية» عن مصرع 21 شخصًا على الأقل في إقليم آسفي الساحلي غربي المغرب، بعد أمطار غزيرة هطلت خلال ساعة واحدة فقط، لتكشف من جديد هشاشة البنية التحتية وكلفة سنوات من الجفاف وسوء الاستعداد. الحادثة التي وقعت على بُعد نحو 330 كيلومترًا جنوب الرباط لم تكن مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل إنذارًا مركّبًا عن تراكم اختلالات عمرانية ومناخية وإدارية.

وبحسب السلطات المحلية، أُسعف 32 مصابًا غادر معظمهم المستشفى بعد تلقي العلاج، فيما وُضعت حالات أخرى تحت المراقبة الطبية. الأمطار الغزيرة أغرقت قرابة 70 منزلًا ومتجرًا، وجرفت 10 سيارات، وقطعت طرقًا رئيسية داخل مدينة آسفي وضواحيها، بينما واصلت فرق الإنقاذ عمليات البحث عن مفقودين محتملين وتأمين المناطق المتضررة. مشاهد السيول الموحلة التي اجتاحت الشوارع، وجرفت النفايات والمركبات، وأغرقت ضريحًا جزئيًا، أعادت إلى الواجهة سؤال الجاهزية والوقاية.

من الجفاف الطويل إلى الصدمة المطرية

تأتي الفيضانات بعد سبع سنوات من الجفاف المتواصل الذي أنهك الموارد المائية وأفرغ بعض السدود الرئيسية، وفرض على البلاد سياسات تقشف مائي. غير أن الانتقال المفاجئ من ندرة الأمطار إلى هطولات كثيفة في وقت وجيز—وهو نمط يتكرر بفعل التغير المناخي—يصطدم ببنية حضرية لم تُصمَّم لاستيعاب الصدمات. فالأمطار الغزيرة، بدل أن تُخزَّن وتُدار، تحولت إلى سيول مدمِّرة، ما يعكس فجوة بين التخطيط المناخي والواقع العمراني.

المديرية العامة للأرصاد الجوية كانت قد حذّرت من أمطار غزيرة مصحوبة بعواصف، وأعلنت تساقط الثلوج فوق المرتفعات التي تتجاوز 1700 متر في جبال الأطلس. ورغم التحذيرات، بدا أن قنوات التصريف وشبكات الصرف الصحي والطرق لم تكن مهيأة لسيناريو «الساعة الحرجة»، حيث ينهار النظام تحت ضغط قصير لكنه كثيف.

اهتراء البنية التحتية: الحلقة الأضعف

تكشف كارثة آسفي عن مشكلات مزمنة في البنية التحتية الحضرية: شبكات تصريف قديمة أو غير مكتملة، توسع عمراني غير منضبط في مجاري الأودية ومناطق منخفضة، ضعف الصيانة الدورية، وغياب حلول طبيعية-هندسية لامتصاص مياه الأمطار مثل الأحواض الجافة والمساحات الخضراء النفاذة. كما أن تراكم النفايات داخل المجاري المائية يزيد من حدة الفيضانات، إذ يسدّ القنوات ويحوّل الشوارع إلى مجارٍ بديلة.

وتُظهر التجارب السابقة في مدن مغربية أخرى أن معالجة آثار الكوارث غالبًا ما تطغى على الوقاية المسبقة. فبدل الاستثمار الاستباقي في تحديث الشبكات، وإعادة تأهيل الأحياء الهشة، وتعزيز نظم الإنذار المبكر على مستوى الأحياء، تُترك المدن لتواجه الطبيعة بأدوات بالية. النتيجة: خسائر بشرية ومادية كان يمكن تقليصها.

التغير المناخي والحوكمة المحلية

لا يمكن فصل ما جرى عن سياق التغير المناخي الذي يفاقم تطرف الظواهر الجوية، لكن تحميل الطبيعة وحدها المسؤولية يظل تبسيطًا مخلًا. فالحوكمة المحلية—من تخطيط حضري، ورقابة على البناء، وتنسيق بين القطاعات—تلعب دورًا حاسمًا. إن غياب خرائط مخاطر مُحدَّثة، وتأخر إدماج معايير التكيف المناخي في مشاريع الطرق والإسكان، يُحوّل الأمطار إلى تهديد بدل أن تكون موردًا.

في المقابل، تُظهر جهود الدفاع المدني واستجابة فرق الطوارئ قدرة تشغيلية في لحظة الأزمة، لكن فعاليتها تبقى محدودة إن لم تُدعَم ببنية تحتية مرنة. القوارب التي أنقذت عالقين تُنقذ الأرواح آنيا، لكنها لا تُصلح ما تكسّر في منظومة الوقاية.

دروس مستعجلة ومسار مطلوب

تفرض فاجعة آسفي حزمة دروس عاجلة: أولها الانتقال من منطق «إدارة الكارثة» إلى «إدارة المخاطر»، عبر تحديث شبكات الصرف، وتنظيف المجاري بانتظام، ومنع البناء في مناطق الخطر، وإعادة تأهيل الأحياء الهشة. ثانيها، الاستثمار في حلول قائمة على الطبيعة لامتصاص المياه، وتوسيع المساحات النفاذة داخل المدن. ثالثها، تعزيز الإنذار المبكر المحلي والتواصل الفوري مع السكان، مع تدريبات مجتمعية على الاستجابة.

وأخيرًا، لا بد من ربط سياسات الماء—من السدود إلى المدن—برؤية تكيف مناخي شاملة. فالمطر بعد الجفاف نعمة إذا أُحسن تدبيره، ونقمة إذا صادف بنية متآكلة. ما حدث في المغرب ليس حادثًا معزولًا، بل اختبار قاسٍ لقدرة المدن على الصمود في زمن المناخ المتقلب.

اقرأ أيضًا : 6 شهداء في غزة.. الاحتلال يخرق التهدئة بالقصف والاغتيالات ويصعّد عدوانه جنوب القطاع