شهدت بطولة “كأس العالم للرياضات الإلكترونية” التي أقيمت في الرياض عام 2024 واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في مسار “التغيير السعودي”، بعد أن تحولت إلى منصة علنية لتمثيل مجتمع الشـواذ، في خطوة مثّلت قفزة حادة في سياسات الدولة المحافظة، وجاءت تحت رعاية مباشرة من ولي العهد محمد بن سلمان.

ففي سابقة لم يكن من الممكن تخيلها قبل سنوات، سُمح لفريق “ليكويد” الشهير، بقيادة اللاعب الأمريكي المـثلي والناشط الحقوقي “ستيف آرهانسيت”، بالمشاركة في البطولة وهم يرتدون قمصانًا تظهر بوضوح ألوان علم الشـواذ، وذلك خلال حدث رعته الحكومة السعودية بجوائز تخطت 60 مليون دولار.

البداية.. لاعب مثلي في ضيافة ولي العهد

الكاتب البريطاني “جيمس مونتاجو”، الحائز مرتين على جائزة “كتاب العام في كرة القدم”، كشف في كتابه الجديد “الاجتياح: كيف اشترت السعودية الرياضة والعالم”، تفاصيل تُنشر لأول مرة عن ما جرى قبل هذه البطولة.

مونتاجو روى قصة “آرهانسيت”، الذي كان يقدم خدمات مالية للمثليين في الولايات المتحدة، قبل أن يدخل عالم الألعاب الإلكترونية، وينضم لاحقًا إلى فريق “ليكويد” الذي تُقدر قيمته بنصف مليار دولار.

وعندما أُعلنت بطولة الرياض في 2023 بجوائز مغرية، تردد آرهانسيت في قبول الدعوة، وصرّح آنذاك أنه “لا يستطيع تقبّل أخذ المال من حكومة تجرّم المثـلية وتضطهد مجتمعه”. 

إلا أن هذا التردد لم يدم طويلًا، إذ قرر زيارة السعودية للتحدث مباشرة مع أفراد من الشـ.ـواذ السعوديين، الذين عبّروا له عن معاناتهم، ولكنهم حثوه على المشاركة قائلين: “نحتاج من أمثالك أن يظهروا ويمثلونا.”

لقاء خاص.. ومباراة “ليج أوف ليجيندز” في قصر ابن سلمان

الصدمة الأكبر جاءت عندما حظي آرهانسيت بدعوة ملكية لحضور أمسية في قصر محمد بن سلمان، حيث تناول العشاء مع ولي العهد ثم لعب معه لعبة “ليج أوف ليجيندز” لساعات داخل “غرفة الألعاب” الخاصة بولي العهد، بحسب وصفه.

آرهانسيت قال: “لقد أبهرتني حقيقة أنه يحب هذه الألعاب… لم أصدق أني في قصر ابن سلمان ألعب معه. كانت تجربة سريالية: أنا شاب مثلي من فيرجينيا، وهو ولي عهد السعودية. لكن الألعاب كانت اللغة المشتركة.”

علم الألوان في قلب الرياض.. في يونيو

بطولة “كأس العالم للرياضات الإلكترونية” التي أقيمت في يونيو 2024 – وهو الشهر المعروف عالميًا بـ”شهر الفخر” – تحولت إلى منصة غير مسبوقة لعرض رموز الشـ.ـذوذ الجنـ.ـسي في قلب العاصمة السعودية.

آرهانسيت اشترط على المنظمين أن يُسمح لفريقه بدمج علم الألوان مع شعارات قمصانهم. وبالفعل، وافقت الجهة المنظمة، وهو ما اعتُبر حينها مستحيلًا في دولة لطالما ارتبطت بتطبيق صارم لأحكام الشريعة.

اللافت أن آرهانسيت لم يؤكد ولم ينفِ ما إذا كان لقاءه بولي العهد هو ما سهل هذا الاستثناء، لكنه قال: “كل ما يمكنني قوله هو أنه سُمِح لنا!”

مكافأة مالية.. ودعاية مجانية

احتل فريق “ليكويد” المركز الثاني في البطولة، وحصد 4 ملايين دولار، لكن المكسب الحقيقي من وجهة نظر آرهانسيت كان “الظهور العلني بعلم الألوان أمام العالم”، واصفًا ذلك بأنه “أمر تاريخي في بلد مثل السعودية”.

وأضاف: “كنت سعيدًا أنني كنت على طبيعتي، وكل أعضاء الفريق ارتدوا القمصان التي عُرضت في البث المباشر. لم يكن هناك مجال لإخفائها.”

ولم يتوقف الأمر عند المشاركة الرمزية، إذ مُنح آرهانسيت منصة في مؤتمر “الرياضة العالمية الجديدة” بالرياض، حيث ألقى كلمة تحدث فيها عن “حقوق الشـ.ـواذ”، ضمن برنامج رسمـي سعودي، مما يعزز الانطباع أن ما حدث لم يكن مجرد استثناء فردي، بل خطوة محسوبة ومدروسة.

ختامًا.. تَحول سعودي واضح نحو الترويج

السماح بهذا الظهور العلني، ومنح منصة لمدافع مثلي في حدث عالمي ترعاه الدولة، يشير إلى أن السعودية، تحت قيادة محمد بن سلمان، بدأت تتجه نحو سياسة “المرونة الانفتاحية” حتى في أكثر القضايا حساسية في المجتمع السعودي.

وبينما يرى البعض هذا تحوّلًا لافتًا في اتجاه مزيد من “التحرر الثقافي”، يراه آخرون بأنه تنازل مخيف عن ثوابت مجتمع بأكمله، مقابل التلميع الدولي والمكاسب الاقتصادية والرياضية.

اقرأ أيضًا : صمت وخيانة الحكام العرب: شاهد يقطع مؤتمر آبل للمطورين نصرةً لفلسطين وسط تواطؤ غربي وانحياز إعلامي