في مشهد يختصر مأسـاة الفلسطينيين المتواصلة، لم تمنع فرحة العيد آلة الحرب الإسرائيلية من حصد الأرواح. ففي ثاني أيام عيد الفطر، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة جنوب قطاع غزة، أسفرت عن استشهاد 10 فلسطينيين على الأقل، بينهم أطفال ونساء، إضافة إلى عشرات الجرحى، وسط دمار واسع في المناطق السكنية. 

تزامن ذلك مع تصاعد وتيرة النزوح القسري في رفح وخان يونس، بعد تهديدات مباشرة من جيش الاحتلال للأهالي بإخلاء منازلهم.

 

 

دماء على أعتاب العيد

لم يشفع للأطفال نومهم في خيام نزوحهم، ولا للنساء فرحتهم المبتورة بالعيد. فمنذ فجر الاثنين، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات مركزة على مدينة خان يونس جنوب القطاع، مستهدفًا منازل مأهولة وخيامًا تؤوي نازحين فرّوا سابقًا من القصف. 

وتركزت الغارات تحديدًا في مناطق “التحلية”، و”جورة اللوت”، و”المخيم”، وهي مناطق كانت قد شهدت موجات نزوح سابقة خلال الأشهر الماضية.

وفق وزارة الصحة الفلسطينية، استشهد ما لا يقل عن عشرة مواطنين، بينهم خمسة أطفال وثلاث نساء، فيما أصيب العشرات بجراح متفاوتة، بعضها خطير. 

وأفادت الطواقم الطبية أن انتشال الجثامين تم بصعوبة من تحت الأنقاض، وسط ضعف في الإمكانيات الطبية، وتراجع حاد في القدرة الاستيعابية للمشافي التي باتت بالكاد قادرة على تقديم الإسعافات الأولية.

هذا التصعيد يأتي استمرارا لسياسة “الحسم العسكري” التي تتبعها حكومة الاحتلال، والتي استأنفت حملتها الدموية في غزة منذ 18 آذار/مارس 2025 بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار. 

ومنذ ذلك الحين، وثقت وزارة الصحة استشهاد أكثر من ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، في غارات وصفتها منظمات حقوقية بـ”جرائم حرب”.

التهجير القسري مستمر: رفح وخان يونس في مرمى الاستهداف

في مشهد يعيد إلى الأذهان نكبة عام 1948، تتكرر اليوم مأساة التهجير القسري، ولكن على أنقاض بيوت تهدمت وقصص عائلات تشتت في العراء. 

فبعد تهديدات علنية أطلقها الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، بدأت موجة نزوح جديدة من مدينة رفح ومنطقتي المنارة وقيزان النجار شرقي خان يونس. 

الأهالي، الذين لم يجدوا ملاذا آمنا، حملوا ما تبقى من متاعهم على عربات يجرها الحمير أو على أكتافهم، باحثين عن مكان أقل خطرًا.

الاحتلال أعلن صراحةً عن نيته توسيع رقعة عملياته البرية في جنوب القطاع، متذرعًا بـ”اجتثاث المقاومة”، وهو ما يعني فعليًا مزيدًا من التدمير والتطهير العرقي. 

يأتي ذلك في ظل فشل المجتمع الدولي في اتخاذ إجراءات فاعلة لوقف الحرب، رغم القرارات الصادرة عن محكمة العدل الدولية بوجوب اتخاذ تدابير عاجلة لحماية المدنيين في غزة.

يُذكر أن تهديدات الاحتلال جاءت بعد إعلان تل أبيب إلغاء اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع حركة حماس، والذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير 2025 بوساطة مصرية-قطرية ودعم أمريكي. 

ورغم التزام حماس بالمرحلة الأولى من الاتفاق، والتي شملت تبادل أسرى ووقف العمليات العسكرية، إلا أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، رفض المضي قدمًا في تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق استجابةً لضغوط شركائه من اليمين المتطرف.

حين تختلط تكبيرات الفرح بصراخ الضحايا

ثاني أيام عيد الفطر الذي يفترض أن يكون مناسبة للفرح والطمأنينة، تحول في غزة إلى يوم دامٍ آخر يُضاف إلى سجل الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة الاحتلال منذ أكثر من عام ونصف.

فبدلاً من سماع تكبيرات العيد، علت أصوات الانفجارات وصراخ الأمهات والثكالى، وارتفعت أعداد الشهداء وسط عجز دولي وصمت عربي مدوٍّ.

ما يجري اليوم ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو استمرار ممنهج لسياسة تفريغ قطاع غزة من سكانه. القصف لم يعد يستهدف فقط مقار المقاومة، بل بات يطال البنية التحتية المدنية، ومخيمات النزوح، والمنازل المكتظة، وحتى المدارس والمستشفيات. 

هذه الممارسات، التي وثقتها منظمات دولية، تدخل في إطار جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو ما يستوجب تحركا عاجلا من المحكمة الجنائية الدولية والمؤسسات الحقوقية العالمية.

في المقابل، يحاول الإعلام الإسرائيلي تسويق رواية “الضربات الدقيقة” و”استهداف البنية التحتية للإرهاب”، بينما تعكس الصور القادمة من غزة مشاهد الخراب والمجازر بحق المدنيين العزل. 

ويبدو أن حكومة نتنياهو المتطرفة تسعى عبر هذه الوحشية إلى تصدير أزمتها الداخلية، وشراء مزيد من الوقت في ظل الانقسامات السياسية المتفاقمة داخل إسرائيل.

اقرأ أيضًا : مجزرة تل السلطان: الاحتلال يستهدف الإنسانية ويحوّل الحرب في غزة إلى حرب دينية