في واحدة من أبشع جرائم الحرب في التاريخ الحديث، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجزرة مروعة بحق طواقم الإسعاف والدفاع المدني في حي تل السلطان غرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، حيث عُثر على جثامين 14 شهيداً — ستة من أفراد الدفاع المدني وثمانية من مسعفي الهلال الأحمر — مدفونين في حفرة جماعية ومقيّدي الأيدي.
هذه الجريمة، التي وصفتها حركة حماس بأنها “أكبر عملية استهداف جماعي لطواقم الإنقاذ”، تضع العالم أمام اختبار أخلاقي جديد في ظل استمرار حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين في غزة، بدعم أمريكي وصمت دولي مطبق، خاصة أنها وقعت في أيام عيد الفطر المبارك.

عدوان همجي يستهدف الرمق الإنساني الأخير
لا يعد استهداف المسعفين والدفاع المدني مجرد جريمة حرب فحسب، بل يمثل مرحلة متقدمة من الوحشية السادية التي يعتمدها جيش الاحتلال في حربه المفتوحة ضد كل ما هو إنساني في قطاع غزة.
فعندما يُقتل المسعفون — وهم يحملون شارة الحياد وينقذون الجرحى من بين الركام — ويتم تقييد أيديهم قبل دفنهم في حفرة واحدة، فإن ذلك يكشف عن نية متعمدة للقضاء على آخر خطوط الإنقاذ في غزة، واستهداف مباشر للمنظومة الإنسانية التي تحاول أن تصمد وسط الدمار.
ما يزيد فداحة الجريمة أن عملية الانتشال تمت بعد ثمانية أيام من الحصار المفروض على المنطقة من قبل قوات الاحتلال، ما يدل على تعمّد إخفاء آثار الجريمة والسعي لمنع أي توثيق لها.
مشاركة طواقم من الصليب الأحمر والأمم المتحدة في عملية الانتشال تعزز من موثوقية الرواية الفلسطينية، وتضع مسؤولية إضافية على عاتق المنظمات الدولية لكشف الحقيقة ومحاسبة الجناة.
حرب دينية بأيدي قادة متطرفين
ما لا يمكن تجاهله في هذه المرحلة من الحرب هو البعد الديني الذي يسعى الاحتلال، بقيادة حكومة يمينية متطرفة، إلى فرضه على الواقع.
فإلى جانب الاستهداف الممنهج للمدنيين والمسعفين، تتصاعد الخطابات التحريضية من قبل قادة الاحتلال الذين ينتمون إلى التيارات الدينية المتشددة، وتعمل سياساتهم على صبغ الحرب بصبغة “صراع ديني”، في محاولة لاستفزاز العالم الإسلامي وتوسيع نطاق المواجهة.
جاءت هذه الجريمة في وقت يحتفل فيه العالم الإسلامي بعيد الفصح، وكأن الاحتلال أراد أن يوجه رسالة بأن لا حرمة للعيد، ولا تقدير للإنسان، بل إن القتل هو رسالته الوحيدة.
ومع أن المجازر لم تتوقف منذ 7 أكتوبر، فإن استهداف الطواقم الإنسانية في هذا التوقيت تحديداً يحمل دلالات عميقة، تتصل برغبة الاحتلال في كسر الروح المعنوية للشعب الفلسطيني، ودفع المجتمع الدولي نحو الاستسلام أمام “واقع القوة”.
حركة حماس، في بيانها الغاضب، لم تكتفِ بالإدانة، بل طالبت العالم بالتحرك الفوري لوقف هذه الجرائم التي “لم يسبق لها مثيل في تاريخ الصراعات”، مؤكدة أن حكومة نتنياهو الفاشية تسعى لتحويل الصراع إلى مواجهة دينية عابرة للحدود، تستند إلى عقيدة استعلائية ترى في الفلسطينيين “أعداء لله والدين”، لا مجرد خصوم سياسيين أو مقاتلين.
المجتمع الدولي أمام مفترق طرق: صمت أم محاسبة؟
ما يحدث في غزة منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم — والذي خلّف أكثر من 164 ألف شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء — لم يعد مجرد حرب على المقاومة أو حتى على قطاع غزة، بل هو مخطط شامل لإبادة الشعب الفلسطيني وتمزيق نسيجه الإنساني.
ومع استمرار الدعم الأمريكي المطلق للاحتلال، وغضّ الطرف الأوروبي عما يحدث، يجد العالم نفسه شريكًا ضمنيًا في هذه الجرائم ما لم يتحرك فورًا.
المجزرة الأخيرة في تل السلطان تضع الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، والصليب الأحمر، وكل المؤسسات المعنية بحماية الطواقم الإنسانية، أمام مسؤولية مضاعفة، ليس فقط في إصدار بيانات الشجب، بل في العمل الجاد لتوثيق الجريمة، وملاحقة مرتكبيها أمام المحاكم الدولية باعتبارها “جريمة ضد الإنسانية”.
ويتعين على الشعوب الحرة والمنظمات الحقوقية ألا تسمح بتحويل الحرب في غزة إلى صراع ديني، بل عليها أن تفضح الخلفية العنصرية والدينية المتطرفة التي تحكم سياسة الاحتلال، وأن ترفض استخدام الدين كذريعة للقتل الجماعي والتطهير العرقي.
هل يتحول الصمت إلى تواطؤ؟
في مواجهة هذه الوحشية غير المسبوقة، لا يمكن للحياد أن يكون خيارًا. فالصمت أمام قتل المسعفين، وتدمير المستشفيات، ومجزرة تل السلطان، هو صمت مجرم.
وعلى كل من ما زال يحتفظ بذرة ضمير أن يتحرك، ولو بكلمة، ضد هذا الإرهاب المنظم الذي تمارسه دولة الاحتلال. لقد تجاوزت إسرائيل كل الخطوط الحمراء، وآن الأوان أن يتم رفع الغطاء عن جرائمها، ومحاسبتها كمجرم حرب، لا كدولة فوق القانون.
اقرأ أيضًا : بين إيجابية المقاومة ومراوغة الاحتلال..حماس توافق على مقترح للهدنة وتشدد على أن السلاح خط أحمر