في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، إسماعيل هنية، أصدرت الحركة بيانًا استثنائيًا أكدت فيه أن اغتيال هنية لم يكن نهاية لمسيرة رجل، بل بداية لمرحلة جديدة في مسار المقاومة الفلسطينية، تتجاوز حدود المكان وتخترق حاجز الزمن، لترسّخ أن قادة المقاومة لا يموتون، بل يتحولون إلى رموز خالدة في الوعي الجمعي للشعوب.

استشهد هنية فجر 31 تموز/يوليو 2024، في العاصمة الإيرانية طهران، إثر غارة جوية إسرائيلية دقيقة استهدفت مقر إقامته المؤقت خلال لقاءات رسمية مع قادة إيرانيين لمتابعة تطورات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. وقد أشارت التحقيقات إلى استخدام طائرة مسيّرة عبرت أجواء إقليمية بتنسيق استخباراتي معقد، ما يشي بعملية اغتيال عابرة للحدود، تُعيد إلى الأذهان اغتيال قاسم سليماني عام 2020. وأكدت مصادر عبرية أن “الموساد” ووحدة “أمان” التابعة للجيش الإسرائيلي تقفان خلف العملية، التي عدّها مراقبون واحدة من أخطر العمليات الإسرائيلية منذ عقدين.

ورغم استشهاده خارج فلسطين، إلا أن جثمان هنية وُري الثرى في العاصمة القطرية الدوحة، بمراسم تليق بقائد أمضى حياته في دروب النضال، وشُيّع وسط حضور رسمي وشعبي واسع، أكّد رمزية الرجل كقائدٍ أمميٍّ لفلسطين، لا مجرد زعيمٍ لحركة.

هنية.. مقاوم بالفطرة وقائد بالإجماع

لم يكن إسماعيل هنية مجرّد مسؤول سياسي أو قائد تنظيمي، بل كان ـ كما وصفته حماس ـ امتدادًا لروح الانتفاضة وذاكرة الحصار وصوت المقاومة. انضم إلى صفوف الحركة في باكورة تأسيسها مع انتفاضة 1987، وتدرّج فيها حتى بات رئيسًا لأول حكومة فلسطينية بعد انتخابات 2006 التي شكّلت منعطفًا استراتيجيًا في القضية الفلسطينية. وعندما اشتدت الأزمات، كان وجه هنية حاضرًا في غزة، صلبًا في المواجهة، وهادئًا في الخطاب، حاسمًا في القرار.

طوال سنوات الحصار، كان هنية يخرج من قلب الدمار، يزور الجرحى، يتقدّم الجنازات، يُلقي خطابات في المساجد، ويؤكد أن غزة لن تركع. لم يكن مجرد “قائد حماس”، بل تحوّل إلى رمز شعبي عربي ـ إسلامي، يحظى باحترام داخل الحركات الإسلامية والدوائر السياسية على حد سواء، لما مثّله من توازن نادر بين الصرامة في الثوابت والمرونة في التكتيك.

ولعل ما ميّز شخصية هنية، كما ذكر البيان، هو جمعه بين “صوت شجيّ في تلاوة القرآن” و”صوت جهوري في قاعات السياسة”، لم يفصل بين الإيمان والمقاومة، بل صاغ مشروعًا يقوم على أن فلسطين ليست قضية سياسية فحسب، بل مسؤولية دينية وأخلاقية وحضارية. وفي هذا السياق، تتردد عبارته الشهيرة: “لن تسقط القلاع، ولن نعترف بإسرائيل، ولن يخطفوا منا المواقف.”

دماء لا تنتهي.. وإرث لا يُنسى

في واحدة من أشد المفارقات إيلامًا، قدّم هنية أبناءه وأحفاده شهداء في حرب “طوفان الأقصى”، ثم لحق بهم شهيدًا في المنفى. لم يكن اغتياله صدفة أو خطأً استخباراتيًا، بل قرارًا سياسيًا إسرائيليًا مقصودًا، يستهدف كسر رمزية القيادة الفلسطينية المقاومة، بعد الفشل في النيل من صموده عبر الحصار والحروب.

الرسالة التي أراد الاحتلال توجيهها من الاغتيال كانت واضحة: لا أحد في مأمن، لا داخل فلسطين ولا خارجها. لكن الرسالة المقابلة، التي حملها بيان حماس، كانت أبلغ: المقاومة لا تُقصف من السماء، بل تنبت من الأرض. وإن سقط القائد، فالإرث لا يسقط.

وقد دعت حماس إلى تخليد ذكرى استشهاد هنية، باعتماد الثالث من آب/ أغسطس “يومًا عالميًا لغزة والقدس والأسرى”، في خطوة استراتيجية لإعادة تدويل القضية، وفتح جبهة جماهيرية شعبية في وجه الاحتلال.

المعركة مستمرة.. على درب الشهداء

أكد البيان أن استشهاد هنية لم يكن إلا حلقة في سلسلة طويلة من الدماء التي ترسم خارطة التحرير. من الشيخ أحمد ياسين إلى الرنتيسي، من القسام إلى الجعبري، من أبناء هنية إلى هنية نفسه، المعركة واحدة، والخط البياني للشهداء لا ينكسر.

وتؤكد حماس في خطابها أن المقاومة ماضية، وأنّ القادة الحقيقيين هم الذين “يختمون حياتهم كما بدأوها: في قلب الخطر، لا في قصور العواصم.” بهذا، يتحوّل استشهاد هنية إلى وثيقة شرف سياسية، ومُحرك تعبويّ، وجرس إنذار للاحتلال بأنّ “اغتيال القادة لا يوقف المسيرة، بل يسرّع الانفجار القادم”.

في الختام، جاء شعار حماس ـ “وإنه لجهاد نصر أو استشهاد” ـ ليكون أكثر من مجرد جملة، بل تلخيصًا لمسيرة رجل آمن بأن القدس ليست حلمًا بعيدًا، بل هدفًا تُعبّد طريقه بالدماء والوفاء، وأن فلسطين لا تُحرّر بالمفاوضات، بل تُسترد بالتضحيات.

اقرأ أيضًا : من مكة إلى تل أبيب: كيف تحوّل درع السعودية إلى مظلة لحماية إسرائيل؟