في مشهد أعاد إلى الذاكرة صور شتاء 2011، خرج مئات التونسيين، أمس السبت، إلى وسط العاصمة تونس، إحياءً للذكرى الخامسة عشرة لثورة 14 يناير، مطالبين بالإفراج عن السجناء السياسيين ووقف ما وصفوه بـ«القمع الممنهج» الذي تمارسه السلطة بقيادة الرئيس قيس سعيّد. التظاهرات التي انطلقت في شارع الحبيب بورقيبة لم تكن مجرد طقس رمزي، بل حملت رسالة سياسية مباشرة: الثورة التي أسقطت نظام زين العابدين بن علي لم تُستكمل، والحريات التي وُعد بها التونسيون تتآكل من جديد.

شعارات الحرية في مواجهة القبضة الأمنية

رفع المتظاهرون الأعلام الوطنية ولافتات كُتب على إحداها «الظلم مؤذن بالثورة»، ورددوا هتافات تطالب بالحرية والكرامة وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. وجاءت المسيرة بدعوة من قوى سياسية معارضة ومنظمات مجتمع مدني وناشطين مستقلين، في تعبير عن اتساع رقعة الرفض الشعبي للسياسات الحالية. اللافت أن الشعارات لم تكتفِ بالمطالبة بالإفراج عن أفراد، بل ربطت بين ملف المعتقلين ومسار الحكم برمته، معتبرة أن القمع القضائي والأمني هو الوجه الآخر لتركيز السلطة في يد واحدة.

أحكام قاسية وتهمة «التآمر»

تزامنت التظاهرات مع موجة أحكام قضائية قاسية صدرت مؤخرًا بحق معارضين سياسيين، بتهم من بينها «التآمر على أمن الدولة». ورغم تأكيد السلطات أن هذه القضايا جنائية بحتة وأن القضاء مستقل، ترى المعارضة ومنظمات حقوقية أن التهم فضفاضة وتُستخدم كأداة لإسكات الخصوم. هذا التناقض في السرديات يعمّق أزمة الثقة بين الشارع والسلطة، ويعيد للأذهان ممارسات ما قبل الثورة حين كان القضاء جزءًا من منظومة الضبط السياسي.

2021.. نقطة التحول

لفهم دلالة هذه الاحتجاجات، لا بد من العودة إلى صيف 2021، حين أعلن قيس سعيّد إجراءات استثنائية شملت حل البرلمان، والحكم بمراسيم رئاسية، ثم فرض دستور جديد عبر استفتاء، وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة بنسب مشاركة متدنية. بالنسبة لخصومه، مثّلت تلك الخطوات «انقلابًا على الدستور» وتأسيسًا لحكم فردي مطلق، يقوّض مبدأ الفصل بين السلطات. أما أنصاره، فيرون فيها «تصحيحًا لمسار الثورة» وإنقاذًا للدولة من فساد النخب السياسية.

خطاب «الخطر الداهم» وتقييد الحريات

يُصرّ سعيّد على أن إجراءاته جاءت «في إطار الدستور» لمواجهة «خطر داهم»، ويؤكد عدم المساس بالحقوق والحريات. غير أن الوقائع على الأرض—من محاكمات معارضين، وتضييق على الإعلام، وملاحقات لناشطين—تُضعف هذا الخطاب. فحين تتحول حالة الاستثناء إلى قاعدة، يصبح الحديث عن حماية الدولة ذريعة مفتوحة لتبرير القمع، وتفريغ الثورة من مضمونها الديمقراطي.

الشارع يعود.. ولكن بحذر

رغم رمزية عودة الاحتجاجات إلى شارع الحبيب بورقيبة، فإن حجمها يعكس حالة مزدوجة: غضبٌ متراكم يقابله خوفٌ من كلفة المواجهة. سنوات من الأزمات الاقتصادية، وارتفاع البطالة، وتراجع الخدمات، جعلت قطاعات واسعة منشغلة بلقمة العيش. ومع ذلك، فإن خروج المئات في ذكرى الثورة يحمل دلالة سياسية واضحة: الذاكرة الثورية لم تُمحَ، والشارع لا يزال قادرًا على التعبير حين تشتدّ القبضة.

مستقبل مفتوح على المجهول

تضع هذه التظاهرات السلطة أمام اختبار صعب. فالمضيّ في سياسة الإنكار قد يراكم الاحتقان ويفتح الباب لانفجارات أوسع، بينما يتطلب احتواء الأزمة الإفراج عن المعتقلين، ووقف توظيف القضاء سياسيًا، وفتح حوار وطني حقيقي يعيد الاعتبار لمبادئ الثورة: الحرية، الكرامة، والعدالة. دون ذلك، ستظل تونس عالقة بين ثورة لم تكتمل وسلطة تُعيد إنتاج ما ثار عليه التونسيون قبل خمسة عشر عامًا.

في المحصلة، لم تكن تظاهرات الذكرى مجرد حنين إلى الماضي، بل إنذارًا مبكرًا: القمع قد يفرض الصمت مؤقتًا، لكنه لا يُنهي الأسئلة الكبرى التي أطلقتها ثورة 2011.

اقرأ أيضًا : حلب بلا «قسد».. نهاية الجيوب المسلحة وبداية معركة تثبيت الدولة