في موقف غير مسبوق من رأس الدولة الإسبانية، استنكر الملك فيليبي السادس ما يتعرض له المدنيون الفلسطينيون في قطاع غزة، واصفًا ما يشهده القطاع بأنه “معاناة تفوق الوصف”، في تصريح لافت يعكس تحوّلًا في المزاج السياسي والأخلاقي الأوروبي تجاه العدوان الإسرائيلي المتواصل.
وجاءت تصريحاته خلال زيارة رسمية إلى مصر، حيث أكد أن المنطقة تمر بمرحلة “مأساوية ومضطربة”، مشيرًا إلى أن الهجمات الإسرائيلية أسفرت عن “عدد كبير من الضحايا ودمار كامل للقطاع”، وأنها تحولت إلى “أزمة إنسانية لا تحتمل”.

موقف نادر يكسر صمت القصور الأوروبية
من النادر أن يتدخل الملوك في القضايا السياسية الدولية بشكل مباشر، لكن فيليبي السادس كسر هذا التقليد، ليضع بلاده ضمن أكثر الأصوات الأوروبية انتقادًا للعدوان الإسرائيلي. فإسبانيا منذ اعترافها الرسمي بدولة فلسطين في مايو/أيار 2024، بالتنسيق مع أيرلندا والنرويج، صارت تتبنى خطابًا أكثر حدة في مواجهة سياسات الاحتلال. هذا الاعتراف التاريخي فتح الباب أمام مواقف أكثر جرأة في مؤسسات الدولة، وصولًا إلى رأس هرم السلطة، ليعلن الملك نفسه رفضه للمجازر التي ترتكب بحق المدنيين، في وقت تلتزم فيه غالبية الملوك والرؤساء الأوروبيين الصمت أو التبرير.
ويرى مراقبون أن هذه التصريحات الملكية تكتسب أهمية رمزية كبرى، إذ تعكس انكسار حاجز الخوف من انتقاد الاحتلال علنًا في العواصم الغربية، وتؤكد أن المجازر التي تشهدها غزة باتت تشمئز منها الضمائر في كل أنحاء العالم، ولم تعد تُحتمل تبريريًا أو أخلاقيًا حتى من حلفاء تل أبيب التقليديين.
مدريد تتصدر حملة المقاطعة الأوروبية لتل أبيب
لم يأتِ الموقف الملكي بمعزل عن المناخ السياسي العام في بلاده؛ فالحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز اتخذت سلسلة من الإجراءات العقابية ضد تل أبيب، من بينها وقف صفقات تسلح ضخمة، ووصف الحرب على غزة بأنها “إبادة جماعية” بحق الشعب الفلسطيني. كما تصاعدت حملات المقاطعة الشعبية، حيث ألغيت المرحلة النهائية من طواف إسبانيا للدراجات الهوائية الأسبوع الماضي بعد خروج نحو 100 ألف متظاهر في شوارع مدريد احتجاجًا على مشاركة فريق إسرائيلي.
بل إن سانشيز اقترح مؤخرًا استبعاد إسرائيل من جميع المسابقات الرياضية الدولية “ما دامت الهمجية مستمرة” في غزة، في موقف غير مسبوق من دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وفي السياق ذاته، صوّت مجلس إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية الرسمية بأغلبية 10 أصوات مقابل 4 ضد وامتناع عضو واحد، لصالح الانسحاب من مسابقة “يوروفيجن” الغنائية في حال مشاركة إسرائيل بنسخة 2026، لتصبح إسبانيا أول دولة من “الدول الخمس الكبرى” تهدد بالمقاطعة العلنية.
هذه الخطوات لا تعكس مجرد احتجاج رمزي، بل محاولة لعزل إسرائيل ثقافيًا ورياضيًا وسياسيًا، عبر تجريدها من الشرعية الدولية التي طالما استفادت منها رغم سياساتها القمعية.
نحو عزلة دولية خانقة للاحتلال
تزايد هذه المواقف في العواصم الأوروبية – من الشارع إلى القصر الملكي – يشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي بات يواجه عزلة متنامية، بعدما تجاوزت مجازره في غزة كل الخطوط الحمراء الإنسانية. فصور الدمار الهائل، وجثث الأطفال المنتشرة تحت الركام، والمجازر اليومية بحق المدنيين، حركت الرأي العام العالمي ودفعت حتى أكثر الدوائر الرسمية تحفظًا إلى رفع الصوت رفضًا.
ويحذر محللون من أن استمرار تل أبيب في نهجها الدموي سيجعلها في مواجهة موجة مقاطعة شاملة على غرار جنوب أفريقيا في زمن الفصل العنصري، خاصة مع تزايد الأصوات القانونية والسياسية التي تطالب بمحاكمتها دوليًا بتهمة الإبادة الجماعية. وإذا كانت الحكومات الأوروبية حتى الآن تتحرك ببطء وحذر، فإن الضغوط الشعبية تتسع لتشمل الإعلام والثقافة والرياضة، ما يهدد بعزل إسرائيل عن محيطها الدولي وحرمانها من أدوات القوة الناعمة التي تعتمد عليها.
تحوّل رمزي لكن بالغ الدلالة
تصريحات الملك فيليبي السادس تمثل نقطة تحول رمزية لكنها شديدة الدلالة، فهي تؤكد أن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل لم تعد قابلة للتبرير حتى من داخل أكثر الدوائر الرسمية حذرًا وارتباطًا بالبروتوكولات الدبلوماسية. كما أنها تضيف ثقلًا أخلاقيًا لموقف الحكومة الإسبانية، وتمنح حركات المقاطعة الأوروبية دفعة قوية للاستمرار في الضغط.
وبينما تحاول إسرائيل الظهور كدولة طبيعية في المجتمع الدولي، فإن مشاهد القصف الجماعي، وتجريف الأحياء السكنية، وتجويع الأطفال في غزة، تقوض صورتها سريعًا وتضعها على طريق العزلة الكاملة. ويبدو أن العالم بدأ يدير ظهره تدريجيًا للاحتلال، ولم يعد مستعدًا لغض الطرف عن مجازر باتت تقشعر لها ضمائر البشرية جمعاء.
بهذا، يصبح الموقف النادر لملك إسبانيا إشارة واضحة إلى أن زمن الحصانة السياسية والدبلوماسية التي تمتعت بها إسرائيل لعقود يقترب من نهايته، وأن الجرائم التي تصدم وجدان العالم قد تفتح باب العزلة الدولية الكاملة أمامها.
اقرأ أيضًا : نتنياهو ينفي إبلاغ ترامب بهجوم قطر.. و”أكسيوس” يؤكد علمه المسبق: جدل يفضح تواطؤ واشنطن