في سابقة جديدة تعكس تنامي الحراك الدولي الحقوقي لمحاكمة مرتكبي الفظائع في غزة، أعلنت مؤسسة “هند رجب” الحقوقية عن رفع دعوى جنائية ضد الجندي الإسرائيلي “تامر ملا”، المتواجد على الأراضي القبرصية، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين الفلسطينيين. تأتي هذه الخطوة كجزء من تحرك حقوقي أوسع لتفعيل آليات القانون الدولي وتحقيق العدالة للضحايا الفلسطينيين، وسط صمت رسمي عربي ودعم غربي مستمر للاحتلال.

من هو تامر ملا وما هي الأدلة ضده؟
تامر ملا، جندي إسرائيلي من الطائفة الدرزية، خدم في “الكتيبة 101 للمظليين” ضمن لواء 35 في جيش الاحتلال، وهي كتيبة وثقت تقارير عديدة دورها في ارتكاب انتهاكات جسيمة خلال العدوان المتواصل على قطاع غزة. ووفق الشكوى المقدمة من مؤسسة “هند رجب”، فإن “ملا” لم يكن مجرد منفذ لسياسات عسكرية، بل وثّق بنفسه جرائم تدمير منازل ومخيمات ومدارس ومستشفيات، ونشر هذه التسجيلات على الإنترنت، بما يثبت مشاركته الشخصية في هذه الأفعال.
تشمل التهم الموجهة إليه: الإشراف على الإخلاء القسري لأكثر من 10 آلاف مدني من مستشفى ناصر في خان يونس، والمشاركة في تدمير مدرسة جباليا للبنين في مايو 2024، إضافة إلى تصوير عمليات تدمير ممنهج في دير البلح وخان يونس باستخدام جرافات وعبوات ناسفة. ومن بين الأدلة الدامغة التي أرفقتها المؤسسة: منشورات مرئية وكتابية للجندي نفسه، توثق إحراق المباني بعد تفتيشها، وهو سلوك أصبح “ممارسة اعتيادية” حسب وصف المؤسسة.
تحرك قانوني غير مسبوق يقوده اسم طفلة شهيدة
مؤسسة “هند رجب” التي تبنّت هذه الخطوة، تأسست تخليداً لذكرى الطفلة الفلسطينية “هند رجب” (5 أعوام) التي قُتلت مع ستة من أقاربها في 29 يناير/كانون الثاني 2024، حين قصفت إسرائيل سيارة لجأوا إليها جنوب غربي غزة. وأصبح اسم هند رمزًا للمجزرة الإسرائيلية ضد الأطفال الفلسطينيين، خصوصًا بعد انتشار تسجيلات توثق استغاثاتها قبل استشهادها.
المؤسسة التي بدأت العمل كمبادرة حقوقية شعبية توسعت سريعًا لتتحول إلى كيان دولي يلاحق مجرمي الحرب الإسرائيليين قانونيًا، وقد أعلنت قبل أيام أن السلطات البلجيكية أقدمت على احتجاز واستجواب جنديين إسرائيليين بشبهة ارتكاب جرائم ضد المدنيين في غزة. وأكدت المؤسسة أن هذه الخطوة –رغم أنها لم تنتهِ بالاعتقال الكامل– تشكل “سابقة أولى” في أوروبا، وتفتح المجال أمام استخدام الاختصاص القضائي العالمي لمحاسبة مرتكبي الجرائم في غزة، بغض النظر عن مواقعهم أو جنسياتهم.
نحو تفعيل العدالة الدولية رغم العقبات
الدعوى المقدمة في قبرص ضد “ملا” تأتي في لحظة حرجة، حيث تستمر إسرائيل في تنفيذ حرب إبادة موثقة، خلفت حتى الآن أكثر من 203 ألف شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى أكثر من 9 آلاف مفقود، ومجاعة مدمّرة تُعتبر “مُدبّرة ومقصودة” بحسب وكالات الأمم المتحدة.
ومع صدور مذكرتي اعتقال دوليتين بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت في نوفمبر 2024 من المحكمة الجنائية الدولية، باتت الأرضية القانونية أكثر صلابة لملاحقة بقية المسؤولين والجنود. إلا أن هذه المساعي لا تزال تصطدم بجدار الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، وضغوط سياسية تحول دون تنفيذ قرارات الاعتقال، أو حتى إدراج تل أبيب على قوائم الإرهاب أو الدول المنتهكة لحقوق الإنسان.
ورغم ذلك، فإن تحرك مؤسسة “هند رجب” في قبرص يمثل تطورًا لافتًا في توسيع نطاق العدالة الدولية ليشمل الجنود من “الرتب الميدانية”، وليس فقط القيادات السياسية والعسكرية. فالجرائم لم تُرتكب من فوق المكاتب، بل نُفذت على الأرض بأيدٍ محددة، وتامر ملا أحد هذه الأيدي.
هذا التحرك يتناغم مع تصاعد الدعوات الحقوقية العالمية لمقاطعة إسرائيل أكاديميًا وعسكريًا واقتصاديًا، وتعزيز آليات الضغط الشعبي على حكومات أوروبا لتطبيق قوانينها التي تحظر دعم جرائم الحرب. كما يضع السلطات القبرصية أمام اختبار حقيقي: هل تلتزم بالقانون الدولي والمواثيق الأوروبية، أم تنحاز للحسابات السياسية؟
خاتمة: هل تمضي العدالة في مسارها أم تُجهض كما في السابق؟
التحقيق في جرائم الحرب ضد غزة لم يعد حكرًا على المحاكمات السياسية البطيئة أو تقارير المنظمات الدولية. بل بات هناك حراك شعبي وحقوقي يدفع باتجاه ملاحقة فردية للجنود الذين ارتكبوا المجازر بأنفسهم، والذين تفاخروا بها على العلن.
ويبقى السؤال: هل تتحول قضية تامر ملا إلى لحظة مفصلية تعيد الاعتبار لفكرة المحاسبة والعدالة، أم يتم وأدها كما تم وأد آلاف الجرائم السابقة تحت عباءة “الاستثناء الإسرائيلي”؟ وهل تتحول مؤسسة هند رجب إلى “محكمة شعبية دولية” تنهض من تحت ركام غزة لتُحرج العالم كله؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن الأكيد أن نار العدالة بدأت تشتعل، ولن تنطفئ بسهولة.
اقرأ أيضًا : عشرات الشهداء من المجوّعين و”قتال صعب جدا” بخان يونس: بين مجازر الاحتلال وبسالة المقاومة