في تصعيد دموي جديد يكشف حجم الانفلات الذي تعيشه مناطق جنوب كردفان، ارتفع عدد ضحايا الهجوم العنيف الذي شنّته ميليشيا الدعم السريع على مدينة كلوقي إلى 114 قتيلاً، وفق ما أكده مسؤول محلي سوداني، في جريمة أثارت موجة تنديد محلية ودولية واسعة، وسط اتهامات مباشرة لأبوظبي بأنها توفّر الغطاء السياسي والعسكري لهذه الانتهاكات الممنهجة.

هجوم استهدف روضة أطفال ومستشفى.. والمدنيون يدفعون الثمن

وأوضح المدير التنفيذي لمحلية كلوقي، عصام الدين الننو، أن عدد القتلى ارتفع بعد وفاة عدد من الجرحى متأثرين بإصابات خطيرة، إضافة إلى امتناع أسر أخرى عن نقل مصابيها إلى المستشفى الذي تعرّض للقصف هو الآخر، في مشهد يعكس حجم الفوضى والرعب الذي فرضته الهجمات.

ووفق شهادات متعددة، فقد استهدفت ميليشيا الدعم السريع روضة أطفال بصواريخ من طائرة مسيّرة، ما أدى إلى مقتل أكثر من 10 أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 و7 أعوام، قبل أن تعاود القصف أثناء محاولة الأهالي إنقاذ الضحايا، ثم لاحقت الجرحى والمسعفين داخل المستشفى.

وزارة الخارجية السودانية وصفت ما جرى بأنه “مذبحة مكتملة الأركان”، مؤكدة أن الهجوم كان مقصودًا وموجّهًا نحو التجمعات المدنية، في مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني.

إدانات دولية.. ومطالب بالمحاسبة

منظمة اليونيسيف أدانت الهجوم بشدة، وقال ممثلها في السودان، شيلدون ييت، إن “قتل الأطفال داخل مدرستهم يُعد انتهاكًا مروعًا لحقوق الطفل”، محذراً من أن استمرار استهداف المدارس والمستشفيات سيضاعف الكارثة الإنسانية في الإقليم.

المنظمة شدّدت على ضرورة وقف الهجمات فورًا والسماح بوصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن دون عوائق، خاصة في ظل التدهور الأمني المتسارع في ولايات كردفان منذ مطلع نوفمبر، وما تسببه المعارك من نزوح واسع وحاجة إنسانية متفاقمة.

الاتحاد الأوروبي بدوره وصف الهجوم بأنه “جريمة حرب واضحة”، وقالت مفوضة إدارة الأزمات الأوروبية، حاجة لحبيب، إن العنف المفرط ضد السكان يتطلب مساءلة عاجلة، داعية جميع الأطراف إلى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي وحماية المدنيين.

تصعيد خطير بطائرات مسيّرة.. واتهامات متبادلة

في سياق متصل، أعلن مصدر في الجيش السوداني أن الدفاعات الجوية تصدت لمسيّرات الدعم السريع التي هاجمت مدينة الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق، بينما أشار مصدر حكومي إلى انقطاع الكهرباء بالمدينة نتيجة قصف طال محطة التوليد الكهربائية.

وفي المقابل، اتهمت ميليشيا الدعم السريع الجيش السوداني بقصف معبر أدري الحدودي مع تشاد، قائلة إن الهجوم استهدف بوابة أدكون بشكل مباشر، معتبرة أن الجيش يسعى لعرقلة دخول المساعدات الإنسانية.

دور الإمارات.. دعم عسكري ولوجستي يغذي الفوضى

ورغم تعدد الأطراف المتصارعة، يواصل مراقبون وخبراء توجيه أصابع الاتهام إلى الإمارات بكونها طرفًا أساسيًا في تأجيج الأزمة السودانية، عبر تقديم دعم عسكري ولوجستي لميليشيا الدعم السريع، سواء عبر تزويدها بالطائرات المسيّرة، أو تسهيل نقل الأسلحة عبر شبكات معقدة تمتد إلى ليبيا وتشاد.

هذا الدعم — وفق تقارير دولية متعددة — مكّن الميليشيا من توسيع نطاق عملياتها، وارتكاب انتهاكات كبرى بحق المدنيين في دارفور وكردفان، وهو ما ظهر بوضوح في هجوم كلوقي الذي استخدمت فيه المسيرات بصورة منظمة واستهدفت نقاطًا حساسة ومدنية بالكامل.

ويرى محللون أن استمرار دعم أبوظبي لميليشيا حميدتي، رغم الإدانات العالمية، يعكس رغبة في إعادة تشكيل موازين القوى في السودان بما يخدم مصالحها الاقتصادية المرتبطة بالذهب والموانئ والطرق التجارية، حتى ولو كان ثمن ذلك مزيدًا من الدماء.

اتساع رقعة المعارك.. وكردفان على حافة الانهيار

تشهد ولايات كردفان الثلاث منذ أسابيع معارك ضارية بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، عقب تقدم الأخيرة في مناطق عدة وسيطرتها شبه الكاملة على إقليم دارفور، بينما يحتفظ الجيش بسيطرته على أغلب الولايات الأخرى بما فيها الخرطوم.

ويحذر مراقبون من أن دخول المعارك إلى عمق كردفان قد يفتح الباب أمام موجة نزوح جديدة، تُضاف إلى قرابة 13 مليون نازح منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، في واحدة من أكبر المآسي الإنسانية عالميًا.

خطاب رسمي يحمّل السياسيين المسؤولية

في المقابل، قال نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، إن الدولة لم تخسر الحرب، وإن خسارة بعض المعارك أمر طبيعي، داعيًا القوى السياسية إلى تجاوز خلافاتها والتوحد أمام “عدو واحد”، في إشارة واضحة إلى ميليشيا الدعم السريع.

تصريحات عقار جاءت ضمن محاولة لطمأنة الرأي العام، لكنها عكست في الوقت ذاته حجم الارتباك داخل مؤسسات الدولة، في ظل حرب طويلة تبدو ملامح نهايتها بعيدة.

اقرأ أيضًا : ستة سجناء بريطانيين يواصلون إضرابهم عن الطعام.. احتجاج يتحدى قمع الدولة ودعمها الصارخ للاحتلال