في تصعيد دموي جديد يُفاقم من معاناة المدنيين في شمال دارفور، قُتل ثمانية أشخاص بينهم طفلان، وأصيب سبعة آخرون في قصف مدفعي نفذته قوات الدعم السريع صباح الأحد على مخيم أبوشوك للنازحين شمال مدينة الفاشر. الحادثة، التي طالت السوق المركزي “سوق نيفاشا” وعددًا من المنازل الهشة المبنية بالطين والقش، عكست حجم الانهيار الإنساني في المدينة التي تعيش حصارًا خانقًا منذ أكثر من عام. ومع كل قذيفة تسقط، يزداد المشهد تعقيدًا، وتتعاظم التساؤلات حول الدور الإماراتي في تغذية الصراع عبر دعمها المالي والعسكري لميليشيا الدعم السريع.

مجزرة جديدة داخل مخيم نازحين
بحسب محمد آدم، مسؤول الإعلام في غرفة طوارئ معسكر أبوشوك، فإن القصف أسفر عن “مقتل 8 مدنيين، بينهم طفلان، وإصابة 7 آخرين بينهم حالات حرجة”. فرق الإسعاف واجهت صعوبات كبيرة في الوصول إلى الجرحى بسبب استمرار القصف، وانعدام وسائل النقل داخل المخيم المحاصر، ما يُنذر بارتفاع حصيلة الضحايا.
المصادر المحلية أوضحت أن القذائف طالت السوق المركزي للمخيم، إلى جانب شوارع حيوية ومنازل متواضعة البنية، ما تسبب في حالة من الفزع دفعت النساء والأطفال إلى الفرار نحو مناطق أكثر عزلة داخل المخيم. هذا الاستهداف لم يكن الأول من نوعه، بل يأتي ضمن سلسلة من الهجمات المتكررة التي حوّلت المخيم من مأوى إنساني إلى ساحة حرب مفتوحة.
الفاشر بين حصار الجدران الترابية ومجاعة صامتة
الهجوم جاء متزامنًا مع معطيات دولية خطيرة، حيث كشفت جامعة ييل الأميركية أن الدعم السريع أقام أكثر من 31 كيلومترًا من الجدران الترابية حول مدينة الفاشر، في خطوة عسكرية لعزلها عن العالم الخارجي. هذا الطوق لم يحاصر حركة المدنيين فقط، بل دمّر كذلك شبكات المياه وأدى إلى تفاقم أزمة صحية حادة.
تقارير المنظمات الدولية تحذر من أن سكان الفاشر، المحاصرون منذ أكثر من 500 يوم، يواجهون خطر المجاعة، بعدما باتوا يعتمدون على علف الحيوانات المعروف بـ”الأمباز” كغذاء بديل. هذه الأوضاع تكشف عن جريمة ممنهجة تستهدف المدنيين كوسيلة حرب، في ظل صمت دولي مُريب.
تصعيد سياسي يوازي التصعيد العسكري
لا يمكن فصل هذا الهجوم عن التطورات السياسية الأخيرة، إذ جاء بعد ساعات من أداء محمد حمدان دقلو “حميدتي” اليمين رئيسًا للمجلس الرئاسي لحكومة موازية في دارفور. مراقبون اعتبروا أن تصعيد العمليات العسكرية في الفاشر هو محاولة من الدعم السريع لفرض أمر واقع سياسي بالقوة، عبر خنق العاصمة التاريخية لدارفور والسيطرة على معسكرات النازحين التي تمثل رمزًا للكارثة الإنسانية المستمرة منذ 2003.
إنشاء حكومة موازية في ظل استمرار الحرب وتراجع مسارات التفاوض يعكس تصميم حميدتي على الاستفادة من الدعم الخارجي، وخاصة الإماراتي، لتعزيز موقعه العسكري والسياسي.
بصمات أبوظبي على المشهد الدارفوري
الدور الإماراتي في هذه المأساة لم يعد سرًا. تقارير أممية وصحفية عديدة أكدت أن أبوظبي لعبت دورًا محوريًا في دعم قوات الدعم السريع، سواء عبر شحنات السلاح أو التمويل المالي الذي مكّن هذه الميليشيا من شراء الولاءات وبسط نفوذها.
الإمارات، التي تسوّق نفسها كراعٍ للسلام والاستقرار، وجدت في الصراع السوداني فرصة لمد نفوذها في القرن الأفريقي والتحكم في الموانئ والموارد الاستراتيجية. لكن هذا الدور، بدل أن يُسهم في حل النزاع، عزّز آلة الحرب وأطاح بآمال المدنيين في النجاة.
فبينما يموت الأطفال جوعًا تحت حصار الفاشر، تُنقل الطائرات من مطارات إماراتية محملة بالمعدات إلى ميليشيا حميدتي، في مشهد يفضح التناقض بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني.
انهيار إنساني وأخلاقي
الخبير الحقوقي عبد الناصر سالم وصف ما يجري في الفاشر بأنه “انهيار إنساني وأخلاقي غير مسبوق”، مؤكدًا أن استهداف المدنيين في المخيمات يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني. وأضاف أن بناء الجدران الترابية حول المدينة يحوّلها إلى “سجن مفتوح” يخضع لتجويع وترويع ممنهج.
هذا الواقع، برأي المراقبين، يكشف أن الفاشر باتت مدينة منسية خارج اهتمامات المجتمع الدولي، وأن استمرار الحرب بهذه الوتيرة قد يُطلق موجة نزوح جديدة تُهدد بانهيار كامل للنسيج الاجتماعي في دارفور.
خاتمة: حرب بالوكالة على حساب المدنيين
قصف مخيم أبوشوك ليس مجرد حادثة معزولة، بل جزء من سياسة منهجية تعتمدها قوات الدعم السريع، مدفوعة بدعم خارجي، في مقدّمته الإمارات، لفرض السيطرة على دارفور عبر القتل والتجويع. وبينما تتحدث المنظمات الحقوقية عن انتهاكات جسيمة، يظل صمت المجتمع الدولي سيد الموقف، في وقت يتحوّل فيه المدنيون إلى وقود لصراع إقليمي تُغذيه أطماع سياسية واقتصادية.
إن استمرار هذه المأساة لن يعني سوى اتساع رقعة الكارثة، ما لم يُفتح تحقيق دولي مستقل يُحدد المسؤوليات ويُحاسب من يغذّي الحرب، سواء كانوا أمراء حرب محليين أو داعمين إقليميين في أبوظبي.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يعلن استعادة جثتين من غزة بعد “عمليات خاصة”