في لحظة إقليمية مشتعلة بفعل العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، اختارت الحكومة اللبنانية أن تتخذ واحدا من أخطر قراراتها منذ اتفاق الطائف، عبر حظر الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله” والمضي نحو مسار تسليم سلاحه شمال الليطاني. القرار، الذي جاء في ذروة التصعيد الإقليمي، فتح الباب أمام تساؤلات ثقيلة: هل يدخل لبنان مرحلة إعادة رسم قواعد الاشتباك الداخلي؟ أم أن البلاد تقف فعليا على حافة انقسام قد يعيد شبح الحرب الأهلية؟

القرار لم يأت في فراغ سياسي أو أمني، بل في ظل خروقات إسرائيلية شبه يومية لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 2024، والتي أسفرت عن سقوط مئات الشهداء والجرحى في الجنوب اللبناني. وفي وقت كان فيه جزء واسع من اللبنانيين ينتظر موقفا رسميا حازما لوقف الاعتداءات، فوجئوا بإعلان حكومي يستهدف سلاح الحزب الذي يعتبره أنصاره رادعا أساسيا للاحتلال.

بين قرار الدولة ومنطق المقاومة

رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد رفض القرار بشدة، معتبرا أنه “يفتعل مشاكل إضافية تسعر الغليان والتوتر” في بلد يعاني أصلا من هشاشة سياسية واقتصادية غير مسبوقة. وفي بيانه، أشار إلى أن اللبنانيين كانوا ينتظرون “قرارا بحظر العدوان، فإذا بهم أمام قرار حظر رفض العدوان”، في إشارة واضحة إلى أن توقيت الخطوة يطرح علامات استفهام حول أولويات الحكومة.

في المقابل، يرى مؤيدو القرار أن الدولة لم يعد بإمكانها القبول بوجود سلاح خارج إطار مؤسساتها الرسمية، وأن المرحلة الإقليمية تتطلب ضبطا كاملا لقرار الحرب والسلم، خاصة مع خطر توسع المواجهة بين إسرائيل وإيران. ووفق تقديرات عسكرية نقلت عن الخبير اللبناني ناجي ملاعب، فإن الحكومة قد تفتح مهلة محددة لتسليم السلاح بالتوافق بين رئاسة الجمهورية وقيادة الحزب، قبل الانتقال إلى مراحل تنفيذية قد تتضمن استخدام القوة.

هذا الطرح يضع لبنان أمام معادلة شديدة الحساسية: فإما تسوية سياسية هادئة تعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمقاومة، أو مسار تصادمي قد يجر البلاد إلى مواجهة داخلية مفتوحة.

شبح الحرب الأهلية: واقع أم تهويل؟

الحديث عن حرب أهلية في لبنان ليس ترفا إعلاميا، بل ذاكرة حية لا تزال آثارها ماثلة في البنية السياسية والاجتماعية. من 1975 إلى 1990، عاشت البلاد واحدة من أكثر الحروب تعقيدا في المنطقة، حيث تداخلت الانقسامات الطائفية مع الصراعات الإقليمية والدولية.

اليوم، تختلف المعطيات شكلا، لكنها تتشابه مضمونا. الانقسام حول سلاح “حزب الله” ليس جديدا، لكنه يصبح أكثر خطورة حين يتقاطع مع عدوان إسرائيلي متواصل وضغط أمريكي متزايد لإعادة صياغة التوازنات في لبنان. أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة قد تُفسَّر لدى شريحة واسعة من اللبنانيين كاستجابة لإملاءات خارجية، ما قد يشعل احتجاجات وربما اشتباكات في مناطق مختلطة.

في المقابل، فإن ترك الوضع على ما هو عليه، مع استمرار المواجهة مع الاحتلال، يحمل بدوره مخاطر انفلات أمني واسع، خاصة إذا توسعت الحرب إقليميا وجرّت لبنان إلى معركة مفتوحة تتجاوز قدرته الاقتصادية والعسكرية.

الجنوب اللبناني بين خروقات الاحتلال وقرارات بيروت

اللافت أن القرار الحكومي تزامن مع استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار. فالقصف المتكرر، والتحليق الجوي، واستهداف شخصيات ميدانية، كلها عوامل تبقي الجنوب في حالة استنفار دائم. وفي هذا السياق، يخشى مراقبون أن يؤدي أي احتكاك بين الجيش اللبناني وعناصر الحزب أثناء تنفيذ القرار شمال الليطاني إلى فتح جبهة داخلية بالتوازي مع الجبهة الجنوبية.

كما أن البيئة الحاضنة للحزب في الجنوب والبقاع قد تنظر إلى أي انتشار أمني مكثف باعتباره استهدافا سياسيا، ما قد يعمق الانقسام بين مؤسسات الدولة وشريحة واسعة من المواطنين. وهنا تكمن خطورة المرحلة: انقسام عمودي بين “شرعية الدولة” و”شرعية المقاومة”، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

السيناريوهات المحتملة ومسار المرحلة المقبلة

السيناريو الأول يتمثل في نجاح وساطة داخلية تؤدي إلى صيغة تفاهم مرحلية، ربما عبر إعادة انتشار أو تنظيم السلاح دون نزعه الكامل، بما يحفظ ماء وجه جميع الأطراف ويجنب البلاد صداما مباشرا. هذا الخيار يتطلب إرادة سياسية قوية وضمانات بعدم استغلال الاحتلال لأي فراغ أمني.

السيناريو الثاني، الأكثر خطورة، يقوم على فشل التفاهم وبدء تنفيذ القرار بالقوة. في هذه الحالة، قد تتدحرج الأمور بسرعة، خاصة في مناطق حساسة طائفيا، ما يفتح الباب أمام اشتباكات موضعية قد تتوسع تدريجيا. ومع وجود أطراف إقليمية متربصة، قد يتحول الصراع الداخلي إلى ساحة تصفية حسابات أوسع.

أما السيناريو الثالث، فيرتبط بتطورات العدوان الإسرائيلي نفسه. فإذا تصاعدت المواجهة مع إيران وامتدت بقوة إلى لبنان، فقد يتراجع الجدل الداخلي لصالح “أولوية المواجهة الخارجية”، ما يؤجل الانفجار الداخلي دون أن يلغيه.

في المحصلة، يبدو أن لبنان يقف عند مفترق طرق بالغ الخطورة. قرار حظر أنشطة “حزب الله” لا يمكن عزله عن السياق الإقليمي ولا عن تاريخ الانقسامات الداخلية. وبين من يرى فيه استعادة لهيبة الدولة، ومن يعتبره استهدافا للمقاومة في لحظة عدوان، يبقى السؤال مفتوحا: هل تنجح القوى السياسية في إدارة الخلاف تحت سقف المؤسسات، أم أن البلاد تتجه إلى اختبار جديد قد يعيد استحضار أكثر فصول تاريخها ألما؟

اقرأ أيضًا : رشقات إيرانية جديدة تضرب مواقع إسرائيلية حساسة وتفتح مرحلة تصعيد غير مسبوقة في المنطقة