في تصعيد دموي جديد، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات غير مسبوقة على مدينة غزة، في إطار ما وصفته القيادة الجنوبية بمرحلة “الهجمات الواسعة” التي تمهّد لاجتياح بري شامل ضمن عملية “عربات جدعون 2″، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية وشيكة في المدينة التي تعيش تحت حصار خانق منذ قرابة عامين من الحرب والإبادة المنظمة.

تصعيد غير مسبوق وتمهيد لاجتياح بري شامل

أعلنت قوات الاحتلال، مساء الإثنين، عن بدء تنفيذ مرحلة جديدة من هجماتها، ووصفتها بأنها الأعنف منذ انطلاق عدوانها الأخير في مطلع أيلول/سبتمبر الجاري. وبحسب مصادر عسكرية نقلها موقع “واللا” العبري، فإن “نطاق الهجمات على مدينة غزة، والذي يزداد من وقت لآخر، غير عادي ويعكس نية الجيش حسم المعركة ميدانيًا”.

وأكدت وسائل إعلام محلية أن الغارات تركزت على شمال المدينة، حيث تم نسف عدد من المباني السكنية بالكامل في أحياء الشيخ رضوان والتفاح، بالتزامن مع قصف مدفعي كثيف استهدف محاور عدة شمالي غزة. كما فتحت المروحيات الإسرائيلية نيرانها بشكل عشوائي على منازل المدنيين في حي الشيخ رضوان، ما أسفر عن تدمير واسع النطاق.

في الوقت ذاته، استهدفت طائرات الاحتلال منزل عائلة “الهندي” في منطقة الخضرية بحي الصبرة جنوبي المدينة، ما أسفر عن استشهاد أربعة مدنيين، بينهم طفلان، وإصابة عدد آخر بجراح متفاوتة. وأفادت مصادر طبية أن بعض الجرحى في حالة حرجة للغاية نتيجة استخدام قنابل شديدة الانفجار.

تحليق مكثف للطائرات المسيّرة ومؤشرات على بدء الاجتياح

بالتوازي مع الغارات الجوية، رُصد تحليق مكثف لطائرات مسيّرة إسرائيلية على ارتفاعات منخفضة فوق مخيم البريج وسط القطاع، في مشهد يُذكّر بسيناريوهات الاجتياح البري السابقة، حيث تستخدم هذه الطائرات عادةً لجمع صور دقيقة عن تحركات المدنيين والمقاتلين تمهيدًا للتوغلات البرية.

وأشارت هيئة البث الإسرائيلية إلى أن جيش الاحتلال “استكمل استعدادات قواته لبدء المرحلة البرية الحاسمة من عملية عربات جدعون 2، التي تهدف إلى اجتياح كامل مدينة غزة واحتلالها”. وأوضحت أن استمرار وجود سكان مدنيين في المدينة “يعقد من مهمة الجيش”، في اعتراف ضمني بنيته تنفيذ اجتياح شامل دون مراعاة الكثافة السكانية الهائلة في المدينة المحاصرة.

ويأتي هذا التطور بعد انتقادات حادة في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية للعملية، خوفًا من تعرض جنود الاحتلال والأسرى المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية للقتل أو الأسر خلال المعارك المتوقعة داخل المدينة شديدة التحصين والمعرفة الجغرافية الدقيقة للمقاتلين فيها.

إجرام ممنهج وإبادة جماعية وسط صمت دولي

هذا التصعيد الدموي الجديد يندرج ضمن حملة إبادة جماعية مستمرة يشنها الاحتلال على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أسفرت حتى الآن عن استشهاد 64 ألفًا و871 فلسطينيًا وإصابة 164 ألفًا و610 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، وفق إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية. كما تسبّبت سياسة التجويع والحصار الكامل بمجاعة قتلت حتى الآن 422 فلسطينيًا بينهم 145 طفلًا، في واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية المعاصرة.

تستخدم إسرائيل في حربها مختلف أنواع الأسلحة المحرّمة دوليًا، بما في ذلك القنابل الارتجاجية والارتدادية، وتستهدف البنية التحتية المدنية عمداً، مثل المستشفيات والمدارس والمخابز وشبكات المياه والكهرباء، في محاولة ممنهجة لتدمير مقومات الحياة في القطاع وتهجير سكانه قسرًا نحو الجنوب أو خارج فلسطين بالكامل، في ما يصفه خبراء حقوق الإنسان بأنه “تطهير عرقي مكتمل الأركان”.

ورغم هذه الجرائم الموثقة، تواصل الولايات المتحدة تقديم الدعم العسكري والسياسي غير المحدود للاحتلال، إذ أكدت مصادر لموقع “أكسيوس” الأمريكي أن إدارة الرئيس دونالد ترامب “لن توقف إسرائيل” وستسمح لها باتخاذ قراراتها الخاصة بشأن العملية البرية المرتقبة، مضيفةً أن وزير الخارجية الأمريكي لم يطلب من الاحتلال حتى تجنب تنفيذ الاجتياح، ما اعتُبر ضوءًا أخضر لمواصلة جرائم الحرب.

احتمالات انفجار سياسي ودبلوماسي واسع

توقّعت هيئة البث الإسرائيلية أن يؤدي الاجتياح البري المرتقب إلى موجة إدانات دولية واسعة، خصوصًا بعد فشل محاولة اغتيال قادة حماس في الدوحة الأسبوع الماضي، والتي أثارت غضبًا عالميًا وانتقادات لاذعة لإسرائيل. ويرى مراقبون أن استمرار التصعيد سيفاقم عزلة تل أبيب ويزيد الضغوط على قادتها في المحاكم الدولية، لا سيما في ظل استمرار التحقيقات الجارية في المحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم الحرب والإبادة في غزة.

ويحذر محللون من أن الاحتلال يراهن على الحسم العسكري السريع لإعادة هيبة الردع، لكنه يتجاهل أن الدخول في حرب شوارع بكتلة سكانية تفوق المليون ونصف نسمة داخل مدينة غزة قد يكون “فخًا مميتًا” للجنود، وقد يسرّع من انهيار الحكومة الإسرائيلية سياسيًا في حال تكبّدها خسائر فادحة.

خاتمة: دماء غزة تفضح صمت العالم

بينما تتساقط القنابل على رؤوس المدنيين العُزّل، وتدفن العائلات تحت أنقاض منازلها، يكتفي العالم ببيانات “القلق” و”الدعوات لضبط النفس”، تاركًا الاحتلال ليواصل مجازره دون رادع. لكن شراسة هذه الغارات، وحجم الجرائم المرتكبة، تجعل من الواضح أن ما يحدث ليس مجرد “عملية عسكرية” بل إبادة جماعية ممنهجة تستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه.

ووسط هذا الصمت المخزي، تبقى دماء أطفال غزة ونسائها شاهدًا دامغًا على وحشية الاحتلال، وعلى تواطؤ القوى الكبرى التي تغض الطرف عن جريمة العصر الجارية على مرأى العالم.

اقرأ أيضًا : بريطانيا تقطع الطريق أمام ضباط جيش الاحتلال: خطوة رمزية أم تحول إستراتيجي؟