في تطور دموي جديد يفاقم الوضع الكارثي في السودان، شهدت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، ليل الجمعة وصباح السبت، اشتباكات وقصفًا مدفعيًا متبادلاً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط تصعيد مستمر منذ أشهر. 

وعلى الرغم من النداءات الدولية المتكررة بوقف إطلاق النار وإقرار هدنة إنسانية، لا تزال الفاشر تحت الحصار، ما ينذر بانفجار وشيك للأوضاع الإنسانية. 

في المقابل، لا يمكن إغفال الدور الإماراتي المثير للجدل، حيث تتصاعد الاتهامات بأنها تدعم مليشيات الدعم السريع بالمال والسلاح، مما يسهم في استمرار النزيف السوداني.

الاشتباكات في قلب الفاشر: تصعيدٌ مستمر وحصار خانق

أفادت مصادر عسكرية بأن قوات الدعم السريع شنت هجومًا جديدًا على مواقع الجيش السوداني قرب سجن شالا الحربي جنوب غرب مدينة الفاشر، إلا أن الجيش تمكن من صدّ الهجوم واستعادة مواقعه الدفاعية. هذا التصعيد تواصل صباح السبت حين تبادل الطرفان القصف المدفعي العنيف: الجيش استهدف مواقع للدعم السريع شرق المدينة، بينما ردت الأخيرة بقصف مواقع عسكرية قريبة من مطار الفاشر.

وتأتي هذه الجولة من المعارك بعد إعلان الجيش السوداني يوم الجمعة صدّه لهجوم عنيف جديد، مؤكداً أنه ألحق خسائر “فادحة” بالمهاجمين، سواء في الأرواح أو في المعدات العسكرية. وقد أصدرت الفرقة السادسة مشاة بيانًا أكدت فيه السيطرة على المحاور القتالية داخل المدينة. ورغم هذه التصريحات، فإن “لجان مقاومة الفاشر” تحدثت عن هدوء حذر يسود المدينة مع تراجع حدة الاشتباكات، في وقت لا تزال فيه الحصيلة النهائية للضحايا غير معلومة.

ويُذكر أن الفاشر، المدينة المنكوبة، تُعد مركزًا أساسيًا للعمل الإنساني في دارفور، وتستضيف مكاتب منظمات إغاثة ومراكز تنسيق حيوية لإمدادات الغذاء والدواء. إلا أن الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع منذ أكثر من عام، حوّل المدينة إلى سجن مفتوح يهدد حياة عشرات الآلاف من المدنيين.

فشل الجهود الدولية.. وسيناريو الكارثة يقترب

منذ تصعيد المواجهات في الفاشر في مايو 2024، تحذر الأمم المتحدة والجهات الإنسانية من تحول المدينة إلى مسرح لإبادة جماعية شبيهة بما حدث في سربرنيتسا. وحتى اليوم، لم تنجح أي وساطة في التوصل إلى هدنة إنسانية تتيح دخول المساعدات أو تأمين ممرات آمنة للمدنيين، مما يعكس هشاشة النظام الدولي وعدم فاعلية أدوات الضغط على الأطراف المتحاربة.

المأساة لا تقتصر على الفاشر وحدها، بل هي جزء من المشهد العام في السودان، الذي يعيش منذ منتصف أبريل 2023 على وقع حرب أهلية مدمرة بين الجيش النظامي بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص، وتسببت في نزوح ولجوء ما يقرب من 15 مليونًا، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة.

ورغم الكارثة، لا يبدو أن هناك إرادة حقيقية من المجتمع الدولي لإيقاف حمام الدم، خصوصًا مع وجود قوى إقليمية تلعب دورًا سلبيًا في تغذية الصراع بدلًا من احتوائه.

الإمارات.. الدعم الخفي للدعم السريع وسيناريو تفكيك السودان

في هذا السياق، تبرز أصابع الاتهام لدولة الإمارات العربية المتحدة التي تُعد من أبرز الداعمين لقوات الدعم السريع. تقارير استخبارية وشهادات موثقة كشفت عن شحنات أسلحة وذخائر وصلت إلى قوات حميدتي عبر طرق غير مباشرة، خاصة عبر ليبيا وتشاد، في تحدٍّ واضح لحظر الأسلحة المفروض على السودان.

الإمارات التي تدعي الحياد في ملف السودان، تستضيف على أراضيها عددًا من قيادات الدعم السريع وتؤمّن لهم موارد مالية ضخمة عبر شبكات تمويل معقدة تشمل الذهب السوداني، الذي يتم تهريبه إلى الأسواق الخارجية بتسهيلات إماراتية.

ولم تكن هذه أولى المرات التي تُتهم فيها أبو ظبي بلعب دور مدمر في دول عربية. من اليمن إلى ليبيا، ومن سوريا إلى السودان، تبرز الإمارات كفاعل غير رسمي يقوّض الاستقرار الداخلي ويعيد إنتاج المليشيات المسلحة كبديل عن الدولة المركزية.

ويقول مراقبون إن دعم الإمارات لقوات الدعم السريع ليس مجرد تحالف عابر، بل هو جزء من مشروع إقليمي يُراهن على تفكيك الدولة السودانية وإعادة تشكيل خارطة النفوذ في أفريقيا والقرن الإفريقي بما يخدم مصالح أبو ظبي الاقتصادية والعسكرية.

خاتمة: هل من فرصة لإنقاذ الفاشر والسودان؟

الوضع في مدينة الفاشر، التي تكاد تُباد على مرأى العالم، ليس إلا عنوانًا صارخًا لفشل النظام الدولي، ولانكشاف الدول التي تزعم دعم الاستقرار وهي في الواقع تموّل الحروب الأهلية. ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة، ليس فقط لفرض هدنة إنسانية وإنما لوقف تدفق السلاح والدعم الخارجي للمليشيات، فإن الفاشر قد تتحول إلى مقبرة جماعية جديدة، ويكون السودان برمّته على شفا التفكك الكامل.

ما يحدث اليوم في الفاشر يضع الجميع أمام اختبار أخلاقي وسياسي: هل يُسمح للإمارات وغيرها من الداعمين بإعادة إنتاج الفوضى في بلد أفريقي يعاني الفقر والانقسام؟ أم آن الأوان لتحرك دولي يوقف هذا العبث الدموي؟

اقرأ أيضًا : الضفة في قبضة النار: اعتقالات عشوائية وهجمات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال