في تصعيد جديد يعكس اتساع رقعة العنف في إقليم كردفان، أعلنت وسائل إعلام سودانية مقتل تسعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة آخرين، جراء قصف مدفعي استهدف أحياء سكنية في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، نفذته قوات “الحركة الشعبية/شمال” بقيادة عبد العزيز الحلو، المتحالفة ميدانيًا مع ميليشيا قوات الدعم السريع. الهجوم، الذي وُصف بأنه مباشر ومتعمد ضد المدنيين، أعاد إلى الواجهة خطورة التحالفات المسلحة غير النظامية، ودورها في تعميق المأساة الإنسانية جنوب البلاد.
![]()
قصف الأحياء السكنية.. استهداف مباشر للمدنيين
بحسب بيان صادر عن “منصة جبال النوبة”، فإن القصف المدفعي الذي نفذته قوات الحركة الشعبية/شمال طال مناطق سكنية مكتظة داخل مدينة الدلنج، وأسفر عن مقتل ستة مواطنين بالغين وثلاثة أطفال، إضافة إلى عدد من الجرحى. وأكدت المنصة أن القصف لم يكن اشتباكًا عرضيًا، بل استهدف أحياء مدنية بشكل مباشر، ما يرقى إلى جريمة حرب وفق القانون الدولي الإنساني.
وتُعد الدلنج واحدة من المدن التي تعيش تحت ضغط أمني خانق منذ شهور طويلة، في ظل الحصار المفروض عليها من قبل ميليشيا الدعم السريع وحلفائها، وعلى رأسهم قوات عبد العزيز الحلو، منذ المراحل الأولى للحرب التي اندلعت قبل أكثر من عامين.
رد الجيش السوداني.. هجوم مضاد واستعادة مواقع
في أول رد عسكري مباشر، أعلن الجيش السوداني تنفيذ عملية نوعية استهدفت منطقة “التيتل” في جنوب كردفان، وهي إحدى النقاط التي تنطلق منها المدفعية المستخدمة في قصف الدلنج. وأفادت مصادر ميدانية بأن قوات الجيش نجحت في السيطرة على المنطقة، بعد اشتباكات عنيفة مع عناصر الحركة الشعبية/شمال، ما أدى إلى إسكات مصادر النيران التي استهدفت المدنيين.
ويحاول الجيش، عبر هذه العمليات، توجيه رسالة مزدوجة: الأولى ميدانية تؤكد قدرته على الرد ومنع تكرار القصف، والثانية سياسية، تتعلق برفضه أي تحالفات مسلحة تهدد وحدة الدولة وتستهدف السكان تحت غطاء الصراع العسكري.
نزوح متصاعد.. الكارثة الإنسانية تتعمق
بالتوازي مع التصعيد العسكري، أعلنت منظمة الهجرة الدولية نزوح نحو 650 شخصًا خلال اليومين الماضيين فقط من مدن كادوقلي والدلنج وبلدة الكويك، نتيجة تفاقم انعدام الأمن. وأوضحت المنظمة أن 460 شخصًا نزحوا من كادوقلي، عاصمة الولاية، فيما نزح 145 من الدلنج و45 من الكويك، متوجهين إلى ولايات شمال كردفان والنيل الأبيض والخرطوم.
ويأتي هذا النزوح الجديد بعد أيام فقط من إعلان المنظمة نزوح 575 شخصًا آخرين من المناطق ذاتها، ما يعكس وتيرة متسارعة للهجرة القسرية، في ظل استمرار القصف والحصار. ووفق تقديرات أممية، فإن أكثر من 41 ألف شخص فروا من العنف في ولايتي شمال وجنوب كردفان خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي وحده.
حصار مزدوج وتحالفات ميليشياوية
تعاني مدينتا كادوقلي والدلنج من حصار خانق تفرضه ميليشيا الدعم السريع بالتنسيق مع الحركة الشعبية/شمال جناح الحلو، وهو حصار شمل قطع طرق الإمداد، واستهداف البنية التحتية، والقصف المتكرر بالمدفعية والطائرات المسيّرة. هذا الواقع حول المدينتين إلى بؤرتين إنسانيتين منكوبتين، مع نقص حاد في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
ويشير مراقبون إلى أن هذا التحالف بين ميليشيا الدعم السريع وقوات الحلو لا يقوم على مشروع سياسي جامع، بقدر ما يعكس تقاطع مصالح عسكرية مؤقتة، يدفع ثمنها المدنيون العزل.
الدعم الخارجي.. الإمارات في قلب المشهد
في هذا السياق، تتزايد الاتهامات الإقليمية والدولية لدولة الإمارات بلعب دور محوري في دعم ميليشيا الدعم السريع، سواء عبر التمويل أو التسليح أو الغطاء السياسي. تقارير أممية وتحقيقات صحفية دولية سبق أن أشارت إلى شبكات إمداد مرتبطة بأبوظبي، ساهمت في تعزيز قدرات الميليشيا، ما أطال أمد الحرب ووسع رقعة الدمار، خصوصًا في دارفور وكردفان.
ويرى محللون أن استمرار هذا الدعم الخارجي غير المعلن يغذي حالة الفوضى، ويقوض أي فرص حقيقية لوقف إطلاق النار أو الدخول في مسار سياسي جاد، في وقت يدفع فيه المدنيون، خصوصًا الأطفال، الثمن الأكبر.
مشهد مفتوح على مزيد من التصعيد
مع سيطرة ميليشيا الدعم السريع على ولايات دارفور الخمس، باستثناء أجزاء من شمال دارفور، واحتدام المعارك في كردفان، تبدو البلاد أمام مشهد أمني معقد. الجيش السوداني يفرض نفوذه على معظم الولايات المتبقية، لكنه يواجه حرب استنزاف متعددة الجبهات، في ظل تحالفات ميليشياوية عابرة للمناطق، ودعم خارجي يفاقم الصراع.
وبين قصف يستهدف الأحياء السكنية، ونزوح جماعي، وردود عسكرية متبادلة، تبقى جنوب كردفان نموذجًا صارخًا لكلفة الحرب على المدنيين، في ظل غياب أي أفق قريب للحل، واستمرار التدخلات الإقليمية التي تحول الصراع إلى حرب بالوكالة على حساب الشعب السوداني.
اقرأ أيضًا : برعاية إماراتية.. “الدعم السريع” يقتل المدنيين ويغرق السودان في أكبر كارثة إنسانية