في تطور خطير يعكس تراجع الحريات الأكاديمية والمدنية داخل الولايات المتحدة، أصدرت محكمة هجرة في ولاية لويزيانا حكماً يسمح بترحيل الناشط الفلسطيني وطالب الدراسات العليا في جامعة كولومبيا، محمود خليل، بعد اتهامه بأنه يشكّل “خطرًا على الأمن القومي الأمريكي”.
جاء القرار رغم أن الاتهامات الموجهة إليه ترتبط بنشاطه في تنظيم مظاهرات مؤيدة لفلسطين على خلفية العدوان الإسرائيلي على غزة، وليس بارتكابه أي أعمال عنف أو نشاط غير قانوني.
هذا الحكم يسلط الضوء على بيئة سياسية متأججة داخل أمريكا، يُستخدم فيها سلاح “الأمن القومي” لقمع الأصوات المعارضة للسياسات الإسرائيلية، خاصة من قبل الطلاب العرب والمسلمين، في وقت تتزايد فيه الانتقادات للنهج الذي تتبعه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تجاه الحريات المدنية.

قاضي الهجرة: الادعاءات السياسية كافية لترحيل ناشط سلمي
خلال جلسة الاستماع التي عُقدت في بلدة جينا بولاية لويزيانا، أقر قاضي الهجرة جيمي إي. كومانس بأن الحكومة الأمريكية قدمت ما وصفه بـ”أدلة واضحة ومقنعة” على أن وجود محمود خليل في البلاد “يشكل تهديدًا محتملاً للسياسة الخارجية الأمريكية”، معتبراً ذلك كافيًا لتبرير ترحيله بموجب القوانين المعنية بالأمن القومي.
رغم أن الأدلة لم تتضمن اتهامات بممارسات عنيفة أو تحريض على الكراهية، إلا أن مجرّد مشاركة خليل في مظاهرات مناهضة للإبادة الجماعية في غزة، وقيادته لحركة طلابية تضامنية في جامعة كولومبيا، كانت كافية في نظر المحكمة لتصنيفه “خطراً”، في مشهد يذكر بأساليب الأنظمة الاستبدادية لا الديمقراطية الليبرالية.
في المقابل، أوضح محامي الدفاع مارك فان دير هوت أن المستندات المقدمة من الحكومة لم تحتوي على أي إشارات قانونية جادة أو قرائن موضوعية على “خطر أمني”، معتبراً أن دوافع الترحيل “سياسية بالدرجة الأولى”.
وأضاف أن القضية تمثل انتهاكًا صارخًا لحرية التعبير، ومحاولة لتكميم أفواه الطلاب المعارضين لدعم واشنطن غير المشروط للجرائم الإسرائيلية في غزة.
خلفية الحملة القمعية: من جامعة كولومبيا إلى أكثر من 50 جامعة
بدأت قصة محمود خليل مع تصاعد المظاهرات المؤيدة لفلسطين في الجامعات الأمريكية، خاصة في جامعة كولومبيا، حيث قاد تحركات طلابية حاشدة العام الماضي تنديداً بالإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.
هذه المظاهرات سرعان ما امتدت إلى أكثر من 50 جامعة أمريكية، وتحولت إلى ما يشبه انتفاضة طلابية تطالب بوقف الدعم الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي، وفرض العقوبات على تل أبيب.
رد السلطات كان حاداً: اعتُقل أكثر من 3100 شخص، أغلبهم طلاب وأساتذة جامعات، وتعرض كثير منهم للفصل أو الطرد، فيما صدرت تعليمات صريحة لبعض الجامعات بمنع الفعاليات المناصرة لفلسطين، وإغلاق مجموعات طلابية تنشط في هذا المجال.
اعتُقل خليل في التاسع من مارس/آذار الماضي، ووجهت إليه تهم مبهمة تتعلق بـ”التحريض على زعزعة الأمن العام”، رغم أن نشاطه اقتصر على التظاهر السلمي، وتنظيم وقفات احتجاجية داخل الحرم الجامعي.
وفي 11 مارس، نجح فريق الدفاع في الحصول على قرار “منع مؤقت” لترحيله، لكن الحكم الأخير أعاد شبح التهجير القسري إلى الواجهة.
ترامب وملف القمع الداخلي: استمرار سياسة تصفية المعارضين
يأتي هذا القرار ضمن مناخ عام من القمع السياسي الذي تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تعزيزه من جديد في حال عودته للحكم، خصوصًا مع تبني خطاب شعبوي عدائي تجاه المهاجرين، والطلاب الأجانب، والنشطاء الحقوقيين.
فترامب، طالما دعا إلى طرد الطلاب العرب والمسلمين الذين يتظاهرون ضد إسرائيل، مدّعيًا أنهم يمثلون “قنبلة موقوتة” داخل أمريكا،
وفي هذا السياق، يتخوّف مراقبون من أن يتحول القضاء الأمريكي إلى أداة لترسيخ هذه السياسات القمعية، حيث يتم شيطنة الأصوات المؤيدة لفلسطين، ووصمها بالإرهاب أو العمالة لقوى معادية، وهو توجه يتصاعد بالتزامن مع تصاعد دعم واشنطن اللامحدود لجرائم الحرب في غزة، والتي خلّفت حتى الآن أكثر من 166 ألف شهيد وجريح، أغلبهم من النساء والأطفال، إلى جانب ما يزيد عن 11 ألف مفقود، وفقاً لبيانات فلسطينية موثوقة.
نحو نموذج استبدادي جديد في الداخل الأمريكي؟
قضية الناشط الفلسطيني محمود خليل ليست مجرد معركة قانونية، بل تمثل اختبارًا خطيرًا لقدرة الديمقراطية الأمريكية على الصمود أمام الانحرافات الأمنية والسياسية.
فالتهديد الحقيقي للأمن القومي لا يكمن في طالب يهتف من أجل العدالة، بل في دولة تستخدم القضاء لترهيب من يختلف معها في الرأي.
وفي ظل تزايد الدعم الشعبي الأمريكي للقضية الفلسطينية، وتراجع ثقة المواطنين بمؤسساتهم، يبدو أن الحكم بترحيل خليل سيزيد من الانقسام الداخلي، ويكرس الصورة المتنامية عن أمريكا كدولة تمارس القمع باسم “الأمن القومي”، وهو ما قد يفتح الباب لموجة أوسع من الملاحقات ضد النشطاء، ويحوّل الجامعات من منارات للفكر والنقد إلى ساحات للصمت والإخضاع.
اقرأ أيضًا : النظام الإماراتي أولى من القضية.. هجوم فتح والسلطة على مصطفى البرغوثي يكشف أزمة الولاء والتطبيع