في لحظة بدت استثنائية من حيث خطورتها، التأم عشرات القادة والزعماء العرب والمسلمين في العاصمة القطرية الدوحة، عقب الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف مساكن قيادات من حركة حماس داخل قطر، وأسفر عن مقتل ستة وإصابة 18 وفق ما أعلنه أمير البلاد.

ورغم الزخم الإعلامي وارتفاع سقف التوقعات، خرجت القمة الطارئة بمجرد بيان ختامي يندد بالعدوان ويعلن “دعم جهود الوساطة القطرية”، دون اتخاذ أي خطوات عملية أو قرارات ردعية، لتكرّس بذلك نهج الإدانات التقليدية الذي أثبت عجزه مرارًا أمام الانفلات الإسرائيلي المستمر.

 

 كلمات نارية… لكن بلا أثر فعلي

ألقى معظم القادة كلمات بدت حادة لفظيًا، لكنها لم تُترجم إلى خطة مشتركة أو تحرك منسق.
أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وصف إسرائيل بأنها “كيان متطرف يمارس سياسات إرهابية عنصرية”، واتهمها بإفشال المفاوضات من خلال استهداف وفد حماس، مشيرًا إلى أن الهجوم “استهدف الوسيط نفسه في سابقة نادرة”. 

وبالمثل، اعتبر عبد الفتاح السيسي أن الهجوم يمثل “انتهاكًا جسيما للقانون الدولي وسابقة خطيرة”، وحذّر من أن “السلوك المنفلت من جانب إسرائيل قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع وزعزعة الاستقرار”، لكنه لم يطرح أي خطوات عملية، مكتفيًا بالدعوة إلى “مبادئ تعبر عن رؤيتنا المشتركة” دون تحديدها أو الالتزام بها.

دعوات رمزية بلا أدوات تنفيذ

بعض القادة تجاوزوا مستوى التنديد النظري، لكنهم ظلوا في الإطار الرمزي الذي لا يملك أي آلية تنفيذية.
رئيس وزراء باكستان شهباز شريف دعا إلى تشكيل فريق عمل عربي-إسلامي ووقف عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، وهي دعوات بدت طموحة لكن بلا أي طرح واقعي لكيفية تطبيقها، خاصة أن دول القمة نفسها لا تمتلك رؤية موحدة أو إرادة سياسية لخوض مواجهة دبلوماسية بهذا الحجم.

رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم ناشد العالم العربي والإسلامي أن “يتحد دفاعًا عن الكرامة الإنسانية”، مؤكدًا أن “الوحشية الإسرائيلية لا حدود لها”، لكنه أيضًا لم يقترح خطوة واحدة ملموسة أو جدولًا زمنيًا لأي تحرك.

أما الرئيس السوداني عبد الفتاح البرهان فقد دعا إلى “تحرك يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح”، لكن من دون أي ملامح لذلك التحرك ولا حتى دعوة لعقد اجتماع لاحق يضع خطة مشتركة.

لغة تضامن… وواقع عجز

تكررت في كلمات القادة عبارات مثل “القضية واحدة” و”المصير مشترك”، دون أي ترجمة عملية لهذه الشعارات.
رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي أعلن أن بلاده “لن تترك قطر أو غزة يواجهان مصيرهما بمفردهما”، لكن لم يطرح آلية دعم ولا مبادرة دبلوماسية أو قانونية.
كما أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي أن “الأمن العربي والإسلامي كل لا يتجزأ”، فيما طالب ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الصباح بـ”اتخاذ إجراءات جادة وفاعلة” من المجتمع الدولي، وليس من دول القمة نفسها، وكأنها طرف خارجي لا يملك القرار.

حتى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي حذّر من أن “لا يمكن لحكومة يمينية متطرفة في إسرائيل أن تكون شريكًا في الاستقرار”، اكتفى بالدعوة إلى “إجراءات رادعة” دون تحديدها، مكررًا الخطاب الفلسطيني الرسمي التقليدي الذي فقد تأثيره منذ سنوات طويلة في المحافل الدولية.

عبارات هجومية تخفي تراجعًا سياسيًا

بعض الكلمات بدت هجومية لفظيًا لكنها تعكس في جوهرها تراجعًا سياسيًا أمام العدوان.
الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان وصف الهجوم بأنه “إرهاب سافر”، وقال إن “لا دولة عربية أو إسلامية بمأمن من هجمات إسرائيل”، لكنه لم يقترح أي رد عسكري أو اقتصادي أو حتى دبلوماسي.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتهم حكومة نتنياهو بالسعي للإبادة وتوسيع الاحتلال، داعيًا إلى “موقف جماعي يوقف المجازر”، لكنه لم يعلن عن أي مبادرة عملية أو تحرك تركي منفرد، مكتفيًا بالمناشدة الجماعية المعتادة.

أما رئيس الفترة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، فقال إن “من نوادر التاريخ أن يُقتل المفاوض ومن السوابق استهداف الوسيط”، في إشارة إلى اغتيال وفد حماس، لكنه لم يطالب حتى بتحقيق دولي أو عقوبات على إسرائيل، ليظل حديثه في إطار التعبير العاطفي عن الصدمة.

قمة تكشف عمق الانقسام والعجز

رغم كثافة الكلمات وشدة النبرة، برزت حقيقة واضحة: غياب أي موقف موحد أو أدوات ردع جماعية.
لم تتفق الدول المشاركة على تقديم شكوى مشتركة إلى مجلس الأمن أو الجمعية العامة، ولم تطرح فكرة قطع العلاقات أو سحب السفراء أو حتى الضغط الاقتصادي الرمزي.
كما لم يتم تحديد أي آلية لحماية الوسطاء أو الوفود التفاوضية مستقبلًا، رغم أن القمة عُقدت أصلًا لأن الهجوم استهدف الوساطة القطرية.

هذا العجز يعكس عمق الانقسام في المواقف: بعض الدول (مثل مصر والسعودية) تتحاشى أي صدام مباشر مع تل أبيب، بينما أخرى (مثل إيران وتركيا) تستخدم لهجة شديدة دون استعداد لتحمل تبعات المواجهة، فتُنتج القمم في النهاية بيانات إنشائية بلا التزامات حقيقية.

إسرائيل تقرأ الرسالة جيدًا

في المقابل، تدرك إسرائيل أن غياب الرد الفعلي يعني ضوءًا أخضر لمواصلة التصعيد.
فاستهدافها المباشر للدوحة — الحاضنة السياسية لحماس وأبرز وسطاء الهدنة — كان اختبارًا متعمدًا لقياس رد الفعل الإقليمي، وجاءت النتيجة واضحة: لا كلفة تُذكر، فقط موجة استنكار ثم عودة إلى الصمت.

بل إن بعض الكلمات خلال القمة ركزت على استمرار قطر بدور الوسيط وكأن شيئًا لم يحدث، ما يبعث برسالة لإسرائيل بأن ضرب الوسطاء لن يوقف المسارات التفاوضية ولن يضر بمكانتها الدولية، وهو بالضبط ما كانت تسعى تل أبيب لإثباته.

نهاية باهتة لقمة صاخبة

هكذا انتهت قمة الدوحة الطارئة، التي رُوّج لها على أنها “لحظة مفصلية” في مواجهة إسرائيل، إلى مجرد بيان إدانة تقليدي لا يتضمن أي إجراءات تنفيذية أو حتى تهديد رمزي.
لم يُنشأ فريق عمل، ولم يُحدَّد موعد قمة جديدة، ولم تُطرح عقوبات، ولم يُتخذ أي قرار يوحي بأن العالم الإسلامي مستعد لتحمّل ثمن الدفاع عن سيادة إحدى دوله.

وبذلك، جسّدت القمة واحدة من أكثر لحظات الضعف الجماعي وضوحًا، حيث ترافقت الخطب الرنانة مع فراغ كامل في الإرادة والآليات، مما جعل النتيجة النهائية رسالة إحباط للفلسطينيين والقطريين على حد سواء، ورسالة طمأنة مجانية لتل أبيب بأن العالم الإسلامي لا يزال أسير بيانات الشجب، حتى لو طالت النيران عواصمه نفسها.

اقرأ أيضًا : قمة الدوحة الطارئة: هل تكتفي بالإدانة أم تنطلق نحو الفعل؟