بعد مرور أسبوع على ضربة الاحتلال التي استهدفت قيادات من حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، تستعد المدينة لاستضافة قمة عربية ـ إسلامية طارئة يوم الاثنين، يعقد قبلها اجتماع تحضيري لوزراء الخارجية العرب والمسلمين الأحد.
القمة تأتي وسط أجواء مشحونة وتغيرات إقليمية متسارعة، ما جعلها تُوصَف بأنها “لحظة اختبار تاريخية” لقدرة النظامين العربي والإسلامي على تجاوز البيانات الإنشائية إلى تبنّي سياسات ردعية عملية ضد الاحتلال.
فبينما شكّك كثيرون في إمكانية اتخاذ قرارات ملزمة، يرى مراقبون أن التهديدات المتصاعدة من تل أبيب منذ عملية طوفان الأقصى باتت تستدعي موقفًا جماعيًا استثنائيًا.

لحظة مفصلية: آمال في كسر دائرة الشجب
رئيس تحرير صحيفة “الشرق” القطرية، جابر الحرمي، شدّد في مقابلة مع “بي بي سي” على أن القمة لن تكون ذات جدوى إن لم تخرج بخطوات عملية تتجاوز حدود الإدانة.
وأوضح أن الاستهداف الإسرائيلي للدوحة يجب أن يُشكّل دافعًا لولادة وعي عربي جديد يلتقط ما وصفه بـ”الخيط العالمي”، مشيرًا إلى أن إدانات غير مسبوقة صدرت من حلفاء تقليديين لإسرائيل داخل مجلس الأمن الدولي.
الحرمي لفت إلى أن المنطقة بأسرها مستهدفة، ما يفرض على القادة التقاط اللحظة التاريخية بدل الاكتفاء بمواقف رمزية، محذرًا من أن “القطار قد يفوت” إن لم يتحركوا بجرأة.
خيارات واقعية: ضغط اقتصادي وقانوني
في موازاة ذلك، طرح الكاتب والباحث السياسي اللبناني محمود علّوش تصورات عملية لما يمكن أن تخرج به القمة، معتبرًا أن الاقتصار على بيانات تضامن لن يكون كافيًا.
وقال إن إسرائيل باتت تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار في المنطقة، ما يفرض على الدول العربية والإسلامية بناء سياسة جماعية تمكّنها من ممارسة ضغط فعلي على تل أبيب.
واقترح علّوش ما سماه “خطوات منخفضة الكلفة” لكنها قادرة على توجيه “رسالة قوية” لإسرائيل، أبرزها إعادة النظر في العلاقات الاقتصادية والسياسية معها، خصوصًا من الدول التي تقيم بالفعل علاقات مفتوحة معها، إلى جانب استخدام أدوات النفوذ في أسواق الطاقة العالمية، حيث يزوّد الخليج نحو 40% من احتياجات العالم النفطية، بحسب الحرمي.
كذلك دعا الحرمي إلى تفعيل المسار القانوني لمحاسبة إسرائيل في المحاكم والمنظمات الدولية، مشيرًا إلى أن قطر بادرت فعلًا إلى هذه الخطوة بعد الهجوم الإسرائيلي الأخير.
البعد الدبلوماسي: الوساطة القطرية ركيزة ثابتة
وفي ظل التساؤلات حول مصير الوساطة القطرية بين إسرائيل وحماس بعد الهجوم، أوضح الحرمي أن هذا الدور جزء ثابت من السياسة القطرية ولن يتوقف كرد فعل، بل يستمر بشرط توفّر بيئة مناسبة ومرونة من الأطراف المعنية.
وأكد أن الدوحة ستواصل جهودها الدبلوماسية لوقف الحرب في غزة وتخفيف المعاناة الإنسانية وضمان دخول المساعدات، معتبرًا أن قطر أثبتت سابقًا قدرتها على الحفاظ على خطوط اتصال حتى في أحلك الظروف.
هذا التوجه عُزِّز بلقاء جمع رئيس مجلس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن مؤخرًا، ووُصف بـ”الإيجابي”، حيث ناقش مستقبل الدور القطري كوسيط، والتعاون الدفاعي بين البلدين على ضوء التطورات الأخيرة.
هل تولد لحظة عربية جديدة؟
رغم تشكيك كثيرين في قدرة القمة على تجاوز الطابع الرمزي، فإن حجم الهجوم على الدوحة وما يمثله من سابقة بالغة الخطورة، يوفر للدول العربية والإسلامية غطاءً سياسيًا نادرًا لتبنّي تحرك موحد يضع كلفة حقيقية على إسرائيل.
من خيارات الضغط الممكنة:
- إجراءات اقتصادية تدريجية: تقليص التعاون التجاري أو الاستثماري مع إسرائيل، وتجميد بعض الاتفاقيات الثنائية.
- تصعيد قانوني منسق: رفع قضايا جماعية في المحاكم الدولية ومجلس حقوق الإنسان والأمم المتحدة.
- ضغط دبلوماسي منظم: استخدام أدوات النفوذ في الطاقة والسوق العالمية لتغيير مواقف القوى الغربية الداعمة لتل أبيب.
- رعاية موقف موحد بشأن غزة: ربط أي مفاوضات أو مبادرات مستقبلية بوقف دائم للعدوان ورفع الحصار وإعادة الإعمار.
خاتمة: بين الفرصة والتردد
قمة الدوحة الطارئة تبدو اختبارًا نادرًا لإرادة العرب والمسلمين، وفرصة لإظهار أن العواصم ليست مجرد متلقٍ للضربات الإسرائيلية، بل قادرة على صياغة موقف جماعي يحمي أمنها وكرامتها.
لكن إن خرجت القمة ببيانات شجب معتادة دون خطوات ملموسة، فإنها قد تتحول إلى محطة أخرى في سلسلة طويلة من الفرص الضائعة، بينما تواصل إسرائيل إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة بلا كلفة تُذكر.
اقرأ أيضًا : هل ينسف هجوم الاحتلال على قطر دورها كوسيط ويهدد علاقاتها الخليجية والأمريكية؟