في واقعة تعيد إلى الواجهة ملف القمع المتواصل ضد المعارضين في مصر، أعلنت سناء سيف، شقيقة الناشط السياسي البارز علاء عبد الفتاح، أن السلطات المصرية منعت شقيقها من السفر عبر مطار القاهرة الدولي بينما كان في طريقه إلى بريطانيا لحضور حفل تسلّم جائزة ماغنيتسكي لحقوق الإنسان التي فاز بها مؤخراً.

وحتى لحظة نشر التقرير، لم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة المصرية لتفسير المنع أو تبريره، في مشهد يفتح الباب مجدداً أمام تساؤلات حول جدوى “الإفراجات” التي تعلنها الدولة وما إذا كانت تعني فعلاً نهاية القيود المفروضة على المعارضين.

عند بوابة المطار.. منع غير مفسر

بحسب ما أعلنت سناء سيف خلال تسلمها الجائزة نيابة عن شقيقها في لندن، فإن علاء توجّه يوم الثلاثاء الماضي إلى مطار القاهرة، وخضع لإجراءات الجوازات، قبل أن يتم إيقافه ومنعه من المغادرة دون تقديم أسباب واضحة. هذا النوع من الإجراءات كثيراً ما يُستخدم في مصر دون قرارات قضائية معلنة أو مذكرات رسمية، ما يعزز الاتهامات بأن الأجهزة الأمنية تعمل بمنهج “المنع الشفهي” وبتعليمات غير خاضعة للرقابة أو المساءلة.

وتشير الأسرة إلى أنها لم تتلقَّ أي إخطار رسمي حول أسباب المنع، كما لم يحصل محاموه على أي قرار خطّي، وهو ما يعتبره نشطاء حقوقيون “استمرارا لسياسة العقاب الإداري” حتى بعد انتهاء فترة السجن والعفو الرئاسي.

إفراج شكلي؟

كان علاء عبد الفتاح قد خرج من السجن في سبتمبر/أيلول الماضي ضمن عفو رئاسي شمل عددا محدوداً من السجناء السياسيين. وقد روّجت السلطات حينها لخطوة العفو باعتبارها “انفراجة” في ملف حقوق الإنسان، لكن المنع الأخير يكشف، وفق مراقبين، أن السلطات ليست بصدد تغيير جوهري في أسلوب تعاملها مع المعارضين. فالعفو لا يعني نهاية “المراقبة غير الرسمية”، ولا ينهي قوائم الممنوعين من السفر، ولا يلغي القبضة الأمنية التي تتحكم في أدق تفاصيل حركة الأفراد.

يأتي ذلك رغم قرار محكمة جنايات القاهرة في يوليو/تموز بشطب اسم الناشط من قائمة الكيانات الإرهابية، في خطوة بدت آنذاك إشارة إلى تخفيف القيود المفروضة عليه. غير أن استمرار الإجراءات العقابية بعد إسقاط التصنيف يلقي بظلال كثيفة على استقلال القضاء، ويغذّي الشكوك بشأن حقيقة تأثير تلك الأحكام على قرارات الأجهزة الأمنية.

خلفية سياسية: نظام يخشى الرموز

منذ انقلاب 2013، رسّخ نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي أوسع منظومة قمع سياسي في تاريخ مصر الحديث، وفق توصيف منظمات حقوقية دولية. ويُنظر إلى علاء عبد الفتاح، أحد أبرز رموز ثورة 25 يناير، باعتباره شوكة سياسية حساسة بالنسبة للنظام، ليس فقط بسبب نشاطه الحقوقي، بل أيضاً لكونه أحد الوجوه القليلة التي لا تزال تحظى بتعاطف واسع داخل وخارج البلاد.

وقد أمضى عبد الفتاح نحو عشر سنوات متفرقة في المعتقلات منذ 2013، بتهم تتراوح بين “المشاركة في تظاهرة غير مرخصة” و“نشر أخبار كاذبة”، وحتى “إعادة نشر منشور على فيسبوك” في القضية التي حكم عليه بسببها بالسجن خمس سنوات عام 2021.

كما سُجن عام 2014 بسبب مشاركته في احتجاجات على قانون التظاهر الذي يعتبره الحقوقيون أداة لشرعنة قمع التجمعات السلمية. وبعد الإفراج عنه لفترة قصيرة عام 2019، أعيد اعتقاله مجددا في موجة الاعتقالات التي تلت احتجاجات سبتمبر من العام نفسه.

جائزة ماغنيتسكي.. إحراج دولي للقاهرة

كانت زيارة علاء إلى بريطانيا مقررة لتسلّم جائزة ماغنيتسكي الدولية لحقوق الإنسان، وهي جائزة تمنح لشخصيات تُعتبر ضحية لانتهاكات جسيمة أو ناشطة في فضح الفساد والاستبداد. ومنع النظام لسفره في هذا التوقيت بدا للكثيرين محاولة لتجنب إحراج سياسي دولي، خصوصا أن الجائزة نفسها تُستخدم عالمياً كأداة رمزية لمحاسبة الأنظمة التي تمارس التعذيب والقمع.

وتسلّمت سناء سيف الجائزة نيابة عنه، وقالت إن منع شقيقها من السفر “رسالة واضحة بأن السلطات لا تزال تعتبر حرية علاء خطراً”، مؤكدة أن عائلتها ستواصل الضغط الدولي لإطلاق كامل حقوقه المدنية.

بين الحرية الورقية والقيود الفعلية

يقول حقوقيون مصريون إن منع السفر أصبح أداة قمعية موازية للسجن، تُستخدم خارج إطار القانون لإبقاء النشطاء تحت السيطرة حتى بعد انتهاء أحكامهم. فآلاف المصريين ممن غادروا السجون خلال السنوات الماضية ظلوا ممنوعين من السفر دون قرارات معلنة، أو تعرضوا لتتبع أمني لصيق، أو أُلزموا بـ“المراقبة الشرطية” لفترات طويلة.

ويشير باحثون في الشأن المصري إلى أن نظام السيسي يعتمد على معادلة قمع مرنة: إطلاق سراح رموز محددة تحت ضغط دولي، ثم فرض قيود غير مرئية عليهم لمنعهم من ممارسة أي نشاط سياسي أو حقوقي أو إعلامي.

سؤال المستقبل: هل يخرج علاء فعلاً إلى الحرية؟

يبقى السؤال الأهم: هل تعني “حرية” علاء عبد الفتاح التي أعلن عنها في سبتمبر الماضي أنه بات قادراً على السفر والتحرك والعمل دون قيود؟ يبدو الجواب حتى الآن لا.

فمنع السفر الأخير يؤكد – وفق مراقبين – أن النظام لا يزال يتعامل مع رموز ثورة يناير باعتبارهم “خطرًا معنويًا” يجب احتواؤه حتى لو لم يرفعوا أصواتهم. كما يعكس أن الدولة لا تزال غير مستعدة لفتح صفحة جديدة في ملف الحقوق والحريات، رغم محاولات تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي.

وفي غياب أي توضيح رسمي، تظل الواقعة مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التضييق الممنهج على الناشطين، وتذكيراً بأن القمع في مصر لم يعد مقصوراً على جدران السجن، بل يمتد إلى المطارات والحدود وكل مفاصل الحياة العامة.

اقرأ أيضًا : لقاء مرتقب بين ويتكوف والحية: المقاومة تفرض نفسها طرفًا قويًا في معادلة غزة