في تطور سياسي لافت يعكس تبدل موازين القوى في ملف غزة، كشفت صحيفة نيويورك تايمز – نقلًا عن مصادر أميركية مطلعة – أن المبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف يخطط لعقد لقاء جديد مع رئيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة خليل الحية، في إطار الجهود التي تقودها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لبلورة خطة سلام جديدة للقطاع.
وتنظر الصحيفة إلى هذا التحرك بوصفه مؤشرًا واضحًا على اعتراف واشنطن – ولو ضمنيًا – بأن حماس باتت طرفًا لا يمكن تجاوزه، رغم تصنيفها أميركيًا كـ”منظمة إرهابية أجنبية”.
واشنطن تبقي قناة الاتصال مفتوحة مع حماس
ووفقًا لتقرير نيويورك تايمز، فإن اللقاء المزمع لم يُحسم موعده بعد، وسط توقعات بأن يشهد الجدول الزمني تعديلات بسبب حساسية التواصل مع قيادة المقاومة. وقد رفض كل من مكتب ويتكوف ومسؤولي حركة حماس التعليق على الخبر، كما لم تصدر أي إيضاحات من البيت الأبيض.
وبحسب الصحيفة، فإن الإصرار الأميركي على إبقاء قناة الاتصال مفتوحة مع حماس يعكس إدراكًا سياسيًا متزايدًا بأن الحركة باتت صاحبة نفوذ ميداني وسياسي أكبر بعد حرب غزة الأخيرة، وأن أي جهد لإعادة ترتيب المشهد في القطاع لا يمكن أن يتم دون موافقتها أو مشاركتها المباشرة.
ويرى مراقبون أن هذا التواصل المتكرر بين الإدارة الأميركية والحركة – بشكل معلن أو خلف الأبواب المغلقة – يمثل اعترافًا واقعيًا بأن معادلة القوة تغيرت، وأن حماس لم تعد معزولة سياسيًا كما كان يُروَّج، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا تلتفت إليه واشنطن مضطرة، لا متفضلة.
وقف إطلاق النار في قلب المباحثات
وتشير المعلومات التي حصلت عليها الصحيفة إلى أن ملف وقف إطلاق النار سيكون على رأس أولويات ويتكوف خلال لقائه المرتقب مع الحية. وكانت إسرائيل وحماس قد توصلتا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، تضمن تبادلًا للأسرى بين الجانبين، قبل أن تعود الانتهاكات الإسرائيلية لتقويض أجوائه من خلال القصف المتكرر لمناطق متفرقة في القطاع، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى يوميًا.
وذكرت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت اتفاق أكثر صلابة يضمن الحد من التصعيد، ويعيد ترتيب المشهد الأمني في غزة بما يتماشى مع رؤية إدارة ترامب التي تحاول – حسب مراقبين – انتزاع دور سياسي فاعل في غزة في مواجهة التمدد الإسرائيلي غير المنضبط.
لقاء شرم الشيخ… بداية التحول
تقرير نيويورك تايمز أعاد التذكير بلقاء سابق جمع ويتكوف بخليل الحية في مدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي، قبل توقيع اتفاق وقف إطلاق النار. شارك في ذلك الاجتماع جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، وأحد مهندسي الاستراتيجية الأميركية تجاه غزة.
وبحسب الصحيفة، فإن هذا اللقاء كان نقطة التحول الأساسية في رؤية واشنطن، إذ خرج المبعوث الأميركي بقناعة أن التعامل المباشر مع قيادة حماس بات ضرورة لا يمكن تجاوزها إذا أرادت الإدارة الأميركية إحداث اختراق في الملف الفلسطيني.
وتكشف المقابلة التلفزيونية التي أجراها ويتكوف مع برنامج 60 دقيقة على شبكة “CBS” بتاريخ 19 أكتوبر/تشرين الأول الماضي عن جانب شخصي مؤثر في العلاقة الثنائية. فقد قال المبعوث الأميركي إنه قدم تعازيه للحية في وفاة ابنه خلال الضربة الإسرائيلية على العاصمة القطرية الدوحة في 9 سبتمبر 2025، مضيفًا:
“أخبرته أنني فقدت ابني أيضًا.. نحن نشارك عضوية نادٍ سيئ جدًا، نادي الآباء الذين دفنوا أطفالهم”.
ضربة الدوحة… وحسابات جديدة
وكانت إسرائيل قد نفذت في سبتمبر ضربة جوية استهدفت مباني سكنية في الدوحة أثناء اجتماع لعدد من قيادات حماس لمناقشة مقترح أميركي لوقف إطلاق النار. وأسفرت الغارة عن سقوط عدد من الشهداء، بينهم همام الحية نجل خليل الحية. وقد أثارت العملية موجة غضب دولي واسع بسبب انتهاكها للسيادة القطرية وتزامنها مع وساطة سياسية حساسة.
ويرى محللون أن استهداف القيادة السياسية لحماس خارج غزة زاد من قناعة واشنطن بأن التصعيد الإسرائيلي غير المنضبط يقوّض مصالحها، ويعقّد فرص التوصل إلى اتفاقات قابلة للاستمرار. كما دفع الإدارة الأميركية إلى اعتماد مسار موازٍ عبر التواصل المباشر مع قيادة المقاومة.
المقاومة تقلب المعادلة
اللافت في تقرير الصحيفة الأميركية – وفي السياق السياسي المحيط به – أن حماس لم تعد الطرف الذي يُتحدث عنه من وراء الحجاب، بل الطرف الذي يُسعى للقاءه، وتُنقل رسائله، وتُناقش شروطه.
هذا التحول يعكس ثلاثة مؤشرات مهمة:
- تعاظم قوة حماس السياسية والعسكرية بعد الحرب الأخيرة، وقدرتها على فرض وقائع ميدانية جديدة.
- اعتراف ضمني أميركي بأن الحركة أصبحت لاعبًا إقليميًا يتواصل معه البيت الأبيض رغم التصنيفات الرسمية.
- فشل الرؤية الإسرائيلية في عزل الحركة، مقابل صعود خطاب يعتبر الحوار معها ضرورة استراتيجية.
وبحسب محللين، فإن مجرد استعداد البيت الأبيض لعقد لقاء جديد مع الحية يعني أن واشنطن تدرك أن قوة الواقع تفوقت على الاعتبارات الأيديولوجية والقانونية، وأن حماس – بمعزل عن المواقف السياسية – فرضت نفسها طرفًا قويًا وصعبًا في المعادلة.
خلاصة
يكشف تحرك ويتكوف نحو لقاء جديد مع خليل الحية أن المسار السياسي في غزة يدخل مرحلة مختلفة، تتراجع فيها حالة القطيعة التقليدية بين واشنطن والمقاومة، وتبرز فيها حماس كلاعب رئيسي تُستشار وتؤخذ مواقفها في الاعتبار.
وفي ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، يبدو أن الإدارة الأميركية باتت مقتنعة بأن تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان استقرار غزة، لا يمكن أن يتم إلا عبر التفاوض المباشر مع الطرف الأكثر تأثيرًا على الأرض: المقاومة التي قلبت المعادلة.
اقرأ أيضًا : “سفاري القتلة”.. إيطاليا تفتح أخطر ملفات التسعينيات
