في الذكرى الرابعة للقرارات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021، والتي أدت إلى حل البرلمان وتجميد أعماله وإقالة الحكومة، أطلقت منظمة العفو الدولية نداءً عاجلاً لوقف ما وصفته بـ”الانهيار الخطير” في وضع حقوق الإنسان بتونس، مطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ووضع حد للانتهاكات المتصاعدة.

وتزامن بيان المنظمة مع تحركات لأحزاب تونسية معارضة، طالبت بوقفة وطنية جامعة تنقذ البلاد من حالة “الاستبداد والاحتقان السياسي”، بعد أربع سنوات وصفوها بالكارثية على جميع المستويات، متهمين الرئيس سعيّد بتقويض مكتسبات الثورة وإرساء حكم فردي شمولي يقمع الحريات ويدجن المؤسسات.

العفو الدولية: “أوقفوا الهجوم على الحقوق فورًا”

في رسالة شديدة اللهجة، وجّهت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنييس كالامار، خطابًا للسلطات التونسية دعتها فيه إلى “وقف الهجوم على حقوق الإنسان فورًا، والالتزام العلني بسيادة القانون”، محذّرة من أن الانتهاكات القائمة تُجهز على ما تبقى من المكتسبات الحقوقية بعد ثورة 2011.

وأضافت كالامار: “أحثكم وحكومتكم على الوفاء بالتزامات تونس الدولية، لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب”.

وركّزت المنظمة على أن تونس تشهد منذ استحواذ سعيّد على السلطة مسارًا تراجعيًا خطيرًا شمل حرية التعبير، وتكوين الجمعيات، والمحاكمة العادلة، فضلًا عن تعميق القمع ضد المهاجرين وطالبي اللجوء.

ووفق العفو الدولية، فقد تمّت ملاحقة أكثر من 80 شخصًا منذ 2022، من ضمنهم معارضون سياسيون وقضاة وصحفيون ومحامون ونقابيون، لمجرد ممارسة حقوقهم الأساسية، وذلك في محاكمات تفتقر لشروط العدالة والنزاهة.

أحزاب المعارضة: سنوات “الانقلاب” دمّرت السياسة والاقتصاد

من جانبها، انضمت عدة أحزاب تونسية إلى صوت العفو الدولية، مُندّدة بما وصفته بـ”الحكم الفردي القمعي”، داعية إلى إطلاق حوار وطني حقيقي يعيد التوازن السياسي ويوقف النزيف الاقتصادي والاجتماعي.

وقال حزب “العمل والإنجاز” إن البلاد تشهد “أزمة متعددة الأبعاد تهدد المكتسبات الوطنية”، مشيرًا إلى أن الحياة السياسية باتت “صحراء قاحلة”، بينما “تراجعت الحريات وتم إخضاع القضاء للسلطة التنفيذية”، وهو ما يتطلب وقفة وطنية عاجلة للخروج من الأزمة عبر مبادرة جامعة غير إقصائية.

أما حزب “العمال” اليساري فذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا أن “أربع سنوات من الانقلاب أدت إلى استفحال الفساد والرشوة وتدهور القيم، وتحول الكذب والخطاب التحريضي إلى أدوات لتشويه الخصوم وقمع المعارضة”، محمّلاً السلطة الحالية مسؤولية تعميق الانقسام المجتمعي.

وأضاف الحزب في بيانه: “النتائج الاقتصادية والاجتماعية كانت كارثية، حيث ازدادت تبعية تونس للخارج وتدهورت معيشة المواطنين. أما سياسيًا فقد تم تكريس نظام استبدادي فاشي يرفض الحريات وينقض على مؤسسات الدولة”، مشيرًا إلى أن ما جرى في يوليو 2021 “كان انقلابًا واضحًا أعاد البلاد إلى مربع الدكتاتورية”.

تحطيم القضاء وتكميم الإعلام.. ملامح نظام فردي

وتؤكد تقارير حقوقية محلية ودولية أن السنوات الأربع الماضية شهدت “تطهيرًا ممنهجًا” للمؤسسات القضائية والإعلامية، شمل حل المجلس الأعلى للقضاء، وتعيين قضاة بالمراسيم، وإغلاق إذاعات وصحف، وملاحقة الصحفيين والنشطاء في قضايا أمن دولة و”نشر أخبار كاذبة”.

وتقول العفو الدولية إن الرئيس قيس سعيّد “قوّض استقلال القضاء”، وإن الأجهزة الأمنية التونسية أصبحت تمارس “الاختطاف والترهيب والاعتقال بدون سند قانوني”، مستغلة حالة الطوارئ والتشريعات الاستثنائية التي فرضها سعيّد لإخماد أي صوت معارض.

وكانت نقابة الصحفيين قد أعلنت في وقت سابق أن أكثر من 30 صحفيا وإعلاميا خضعوا للمحاكمة أو التحقيق في السنوات الثلاث الأخيرة، أغلبهم بتهم تتعلق بـ”الإساءة للدولة” أو “ترويج معلومات تمس بالأمن العام”، معتبرة أن “السلطة تستهدف الصحافة كسلطة رقابية مستقلة”.

الخلاصة: تونس تختنق.. فهل يأتي الفرج؟

مع الذكرى الرابعة لانقلاب قيس سعيّد، تتصاعد الأصوات المحلية والدولية المنددة بتدهور الأوضاع الحقوقية والسياسية في تونس، وسط مخاوف من أن يتحول الانغلاق السياسي إلى قنبلة اجتماعية قابلة للانفجار في أي لحظة.

وفي ظل غياب أي مؤشرات على مراجعة المسار، أو فتح المجال لحوار وطني شامل، تبدو تونس عالقة بين قبضة الاستبداد وعجز المعارضة عن فرض معادلة جديدة تنقذ البلاد من المأزق. وبينما تصرخ منظمات حقوق الإنسان مطالبة بوقف القمع، لا تزال السلطة ماضية في طريق القطيعة مع الديمقراطية، محتمية بخطاب “السيادة والشرعية الثورية” الذي أطلقه سعيّد قبل أربع سنوات.

اقرأ أيضًا : “زجاجة أمل لغزة”.. مبادرة شعبية تكسر جدار الصمت المصري والعربي