تتجه الأنظار في تونس إلى محكمة الاستئناف التي تعقد جلستها الأخيرة في ما يُعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة 2”، وهي واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي والقضائي التونسي منذ 25 يوليو/تموز 2021. القضية لا تُقرأ فقط في إطارها القانوني، بل تُفهم على نطاق أوسع باعتبارها محطة جديدة في مسار الصدام المفتوح بين الرئيس قيس سعيد وخصومه السياسيين، وسط اتهامات متصاعدة باستخدام القضاء كأداة قمع وتصفية حسابات.

محاكمة في قلب الصراع السياسي
تحاكم في هذه القضية شخصيات سياسية بارزة شغلت مناصب سيادية خلال العقد الماضي، من بينها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد، إلى جانب مسؤولين سابقين وأسماء معروفة في المشهد العام. وقد أصدرت المحكمة الابتدائية في وقت سابق أحكامًا ثقيلة بالسجن تراوحت بين 12 و35 عامًا، ما فجّر موجة واسعة من الانتقادات داخل تونس وخارجها، وطرح تساؤلات حقيقية حول طبيعة هذه المحاكمات وحدود استقلال القضاء.
السلطة تؤكد، عبر أصوات قريبة منها، أن الأمر يتعلق بقضايا جنائية صِرفة تمس أمن الدولة وسيادتها، بينما ترى المعارضة أن التهم فضفاضة، وأن توقيت المحاكمات وسياقها السياسي يكشفان بوضوح عن طابع انتقامي، يستهدف تفكيك ما تبقى من معارضة منظمة للرئيس.
قيس سعيد وإعادة هندسة السلطة
منذ إعلانه التدابير الاستثنائية، عمل قيس سعيد على إعادة تشكيل بنية الحكم، مركّزًا السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يده عمليًا. وفي هذا السياق، جاءت محاكمات “التآمر” كأحد أبرز أدوات هذا المسار، إذ لم تقتصر على تيار سياسي بعينه، بل طالت الإسلاميين واليساريين والليبراليين، وحتى شخصيات محسوبة على النظام السابق.
هذا الاتساع في دائرة الاستهداف يُفسَّر، وفق معارضين، بأنه محاولة لإفراغ الساحة السياسية من أي مركز قوة محتمل، وإرسال رسالة ردع شاملة مفادها أن أي معارضة حقيقية ستُواجَه بالقضاء والسجن، لا بالحوار أو التنافس السياسي.
انتقادات حقوقية ودولية
لم يقتصر الجدل على الداخل التونسي، إذ أصدرت منظمات حقوقية محلية ودولية، من بينها منظمة العفو الدولية، بيانات انتقدت فيها غياب ضمانات المحاكمة العادلة، وتقييد حق الدفاع، واعتماد إجراءات استثنائية تُضعف استقلال القضاء. هذه المنظمات ترى أن المحاكمات تأتي في سياق سياسي مغلق، تُجرَّم فيه المعارضة وتُصوَّر باعتبارها خطرًا على الدولة.
في المقابل، يلتزم الرئيس قيس سعيد صمتًا شبه كامل تجاه هذه الانتقادات، فلا يقدّم رواية رسمية متماسكة، ولا يرد على التقارير الحقوقية، وهو ما يراه منتقدوه دليلاً إضافيًا على انعدام الشفافية وتعميق القطيعة مع الداخل والخارج.
خطاب “لا أحد فوق القانون”
أنصار الرئيس يرفعون شعار “لا أحد فوق القانون”، معتبرين أن المحاسبة تشمل الجميع دون استثناء، وأن الحديث عن “محاكمات سياسية” ليس سوى محاولة للهروب من العدالة. ويؤكد هذا التيار أن الدولة وفّرت كل الشروط القانونية، وأن القضاء يتحرك بناءً على ملفات وأدلة، لا على تعليمات سياسية.
غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع سياسي مضطرب، حيث جرى حل البرلمان، وتعديل الدستور عبر استفتاء محدود المشاركة، وتقييد الإعلام، ما يجعل من الصعب فصل القضاء عن السياق العام الذي تهيمن عليه السلطة التنفيذية.
تغول السلطة وتآكل الثقة
قضية “التآمر على أمن الدولة 2” تعكس، في جوهرها، أزمة أعمق تتعلق بتآكل الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع السياسي والمدني. فغياب الحوار، وتكريس منطق التخوين، وتحويل الخصومة السياسية إلى تهم جنائية كبرى، كلها عوامل تُنذر بمزيد من الانقسام، وتضع التجربة التونسية أمام مفترق طرق حاسم.
ومع اقتراب صدور الحكم النهائي عن محكمة الاستئناف، لا تبدو القضية مجرد فصل قضائي عابر، بل حلقة جديدة في مسار قمع سياسي يتكرس باسم “حماية الدولة”، بينما يرى معارضو قيس سعيد أنه يقود البلاد نحو نظام مغلق، يُدار بالقضاء والأمن، لا بالتعددية والديمقراطية.
اقرأ أيضًا ” ميليشيا الإمارات الانتقالي تقتحم مقر صحيفة بعدن في رسالة إرهاب صريحة