في تطور لافت داخل المشهد السياسي التونسي المأزوم، أعلن المعارض البارز جوهر بن مبارك تعليق إضرابه عن الطعام بعد أكثر من شهر على دخوله في خطوة احتجاجية غير مسبوقة ضد ما وصفه بـ”الاعتقال التعسفي” والأحكام المسيسة التي طالت رموز المعارضة منذ توسّع قبضة الرئيس قيس سعيّد على مفاصل الدولة. قرار التعليق لم يكن نهاية لمسار احتجاجي، بقدر ما كان تحولًا تكتيكيًا يسلط الضوء على عمق الأزمة التي تمر بها البلاد، ويكشف كيف تحولت السجون إلى ساحات صراع سياسي بين سلطة تتشدد ومعارضة ترفض الانحناء.
إضرابٌ تجاوز حدود السجن
دخل بن مبارك في إضرابه قبل أسابيع كصرخة سياسية مدوّية ضد القمع المتزايد. كان يعرف أن الإضراب الطويل سيؤذي جسده، لكنه اختار أن يتحول جسده نفسه إلى ساحة مواجهة، بعدما أُغلقت أمامه كل منابر التعبير. لكن الضغط الصحي والخطر المتصاعد على حياته دفعاه في النهاية إلى تعليق الإضراب، بعد أن حقق — ولو جزئيًا — الهدف الأساسي: كسر الصمت، وإعادة قضية المعتقلين السياسيين إلى واجهة النقاش العام.
الرسالة الأهم التي خرجت من داخل السجن كانت واضحة: المعارضة لا تزال قادرة على خلق معادلات جديدة رغم القمع، وقيس سعيّد — رغم كل أدوات السلطة — لم ينجح في إسكات الأصوات الرافضة لانفراده بإدارة الدولة.
قمع سعيّد يدخل مرحلة جديدة
قيس سعيّد الذي قدم نفسه قبل سنوات كمنقذ من الفساد والفوضى، تحول تدريجيًا إلى مركز قوة متغول يختزل مؤسسات الدولة في شخصه. ومع الوقت، أصبحت تهم “التآمر على أمن الدولة” سلاحًا جاهزًا لإسكات كل من يرفع صوتًا مخالفًا. عشرات السياسيين، محامين، صحفيين، ونشطاء وجدوا أنفسهم خلف القضبان، بينما يقدَّم ذلك للرأي العام على أنه “تطهير” لا “استبداد”.
قضية بن مبارك ليست حالة فردية؛ هي واحدة من سلسلة طويلة تُعبّر عن مرحلة جديدة من الحكم الفردي الذي يعيد تونس تدريجيًا إلى ما قبل الثورة، حين كانت المعارضة محاصرة، والقضاء خاضعًا، والقرار السياسي يصنع في الغرف المغلقة.
تعليق الإضراب هنا لا يعني انتهاء المواجهة، بل يشير إلى أن الأزمة أصبحت أعمق ممّا تُظهره الشعارات الرسمية. لقد تحول السجن — في عهد سعيّد — إلى أداة سياسية صريحة، فيما تحولت المعارضة إلى حراك اجتماعي لا يمكن احتواؤه بالقمع وحده.
إشارات ما وراء القرار
اختيار بن مبارك تعليق الإضراب في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن ثلاثة عوامل أساسية:
1. الحفاظ على حياته دون التراجع عن موقفه
كان الخطر كبيرًا، والسلطات — وفق روايات عديدة — لم تُظهر أي استعداد لتحسين ظروفه أو التعامل مع مطالبه. الاستمرار في الإضراب كان سيقود إلى نتائج كارثية، لكن التعليق يسمح باستمرار المعركة دون خسارة الورقة الأثمن: حياته.
2. نقل المعركة إلى الشارع
الإضراب داخل السجن فعل مقاومة فردية، لكن المعارضة تحتاج اليوم إلى أدوات جماعية. إعلان التعليق جاء برسالة واضحة: المعركة ليست داخل الزنزانة فقط، بل في الساحات، لدى النقابات، في الجامعات، في الإعلام، وفي مواجهة سلطة تتوسع دون رادع.
3. إحراج السلطة
كان سعيّد يسعى لطمس قضية المعتقلين عبر سياسة التجاهل، لكن تعليق الإضراب بهذه الطريقة أجبره — سياسيًا — على مواجهة الأسئلة الصعبة: لماذا يُسجن المعارضون؟ ولماذا تُستخدم التهم الأمنية لإسكات الخصوم؟ ولماذا تنهار المؤسسات بدل أن تُصلح؟
انفجار سياسي ينتظر الانفجار الاجتماعي
تونس اليوم في مفترق طرق. فاقتصاد منهار، وانكماش غير مسبوق في الحريات، ومؤسسات تابعة للرئيس بشكل شبه كامل. ومع ذلك، لا يزال المزاج الشعبي يتحرك — ببطء — نحو حالة رفض أوسع. ما جرى مع بن مبارك قد يتحول إلى شرارة تعبئة جديدة، خصوصًا أن قضية المعتقلين السياسيين تكتسب زخمًا في الشارع وتعيد للأذهان إرث الثورة الذي حاول سعيّد محوه.
المعارضة ما زالت مشتتة، لكنها تتوحد كلما اشتد القمع. وقيس سعيّد — رغم القبضة الأمنية — يعاني من عزلة سياسية متزايدة. وقد أظهر الواقع أن لا السجون ولا المحاكمات ولا حملات التخوين قادرة على إيقاف الموجة الغاضبة التي تتشكل تدريجيًا.
إلى أين تتجه تونس بعد هذه اللحظة؟
هناك ثلاثة سيناريوهات تتقاطع كلها مع قرار بن مبارك الأخير:
-
تصعيد سياسي واسع:
قد يتحول تعليق الإضراب إلى نقطة انطلاق لتحركات جديدة يقودها الشارع، خاصة مع تدهور الأوضاع المعيشية واتساع الإحباط.
-
تشدد أكبر من السلطة:
قيس سعيّد قد يختار مواجهة الغضب بمزيد من الاعتقالات وإحكام السيطرة على القضاء والإعلام، وهو ما قد يدفع البلاد نحو مرحلة أكثر قتامة.
-
إعادة الاصطفاف داخل المعارضة:
مع عودة الزخم لقضية المعتقلين، قد تجد المعارضة فرصة نادرة للتقارب وخلق جبهة مقاومة موحدة ضد الحكم الفردي.
خلاصة تحليلية
تعليق جوهر بن مبارك لإضرابه ليس خطوة انسحاب، بل مناورة جديدة في معركة طويلة مع سلطة تتجه بسرعة نحو الاستبداد. في بلدٍ كان رمزًا للثورات العربية، أصبح مشهد السجناء السياسيين وصوتهم المتعب من خلف القضبان شاهدًا على حجم التراجع الذي قاد إليه قمع قيس سعيّد.
ومع ذلك، يكشف الحدث أن سلطة القمع ليست بلا حدود، وأن إرادة السجناء والمعارضة قادرة — رغم الألم — على إعادة رسم المعركة. تونس اليوم لا تعيش أزمة سياسية عابرة، بل تواجه سؤالاً وجوديًا: هل ستستسلم لعودة الحكم الفردي، أم ستستعيد روح الثورة من جديد؟
اقرأ أيضًا : الإمارات مروجة الإسلاموفوبيا.. هجوم يستهدف مسجداً وجمعية في فرنسا